هل أنت حاسد.. لو سمحت؟

مصطفى عبدالعال

قال صلى الله عليه وسلم «اقتلوا الحيات وذا الطّفْيَتين والأبتر، فإنهما يُسقطان الحبلى ويسلبان البصر» (البخاري). هذا بمجرد النظر! فلم العجب أن تكون هذه خاصية بعين الحسود كتلك التي أودعها الله في عين الحية وذي الطّفْيَتين والأبتر؟

وأعراض الحسد - لتبحث في نفسك أولاً - ضيق يصيب الحسود كلما رأى نعمة على أحد، ويتمنى زوالها منه، واستئثاره هو بها، وبنظرة سامة حاقدة تخرج من القلب، ولو كان كفيفاً يؤذي بها النعمة أو صاحبها، وربما كان ولده أو نفسه. وهكذا يشقى الحاسد لأنه معترض على نعمة الله، ودائماً يمنّي نفسه بالتشفي بزوال النعمة، وهو ساخط دائماً، خاسر دائماً، حذره النبي بقوله «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (أبو داوود).

وصدق من قال:

ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهـب

لكن لو علقنا كل مشكلاتنا على أنها عين حسود، فإننا أيضاً نُشقي أنفسنا بأيدينا، ونختار الكرب لنا رفيقاً، ولا نرى أخطاءنا المسببة للتخبط، إذاً فلا الحاسد يرتاح بحسده، ولا الموهوم بالحسد يهدأ بتوهمه، وسلم المتحصن المتوكل.

نعم إن الحسد حقيقة، لكنه سبب من الأسباب المؤذية المنتشرة بيننا، والتي يصيب الله بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء كالفيروسات والحوادث، والأخطاء القاتلة في المستشفيات والمصانع، والكوارث الطبيعية والحروب والاغتيالات.. وكلها أسباب لا تؤثر بذاتها، وإنما للقدر كلمته وحكمه في تأثيرها من عدمه، ويردها التحصين، والمحافظة على النعمة بشكرها وعدم التباهي بها، وتوظيفها في مرضاة معطيها سبحانه، وصدق الله إذ يقول عن السحرة الذين هم بتسخيرهم للجن أخطر من الحاسدين

{وَمَا هُم بِضَآرينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللّهِ}. (البقرة 102)

أما الذين ينكرون الحسد فإنهم أيضاً لا ينبغي أن يسقطوه من حساباتهم، لأن الله أخبر بوجوده فقال {أَمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} (النساء 54) {قُلْ أَعُوذُ بِرَب الْفَلَق ........ وَمِن شَر حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.

وهذا صحابي جليل (سهل بن حنيف وكنيته أبوثابت) يقول: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فرجعت محموماً فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «مُرُوا أبا ثابت يتعوذ». (أبوداوود)

وهناك الحسد المحمود وهو الغبطة (الفرح للنعمة عند الغير وتمنّي دوامها مع سؤال الله مثلها)،قل: أَغْبِطُك لا أحسدك، ومن فعل ذلك كانت عينه عكس عين الحاسد نافعة بقدر قربه من ربه! فالعين، وعكسها النظرة، معادلة كونية أودعها القادر في عباده، فإن تسببت عين الحاسد في سلب نعمة، ففي المقابل تتسبب نظرة الصالح في سلب نقمة، وقد فهم ذلك أجدادنا بفطرتهم فعرفوا نظرة الحاسد وتجنبوها وعرفوا نظرة الولى الصالح فطلبوها! وعين الحاسد تصيبك بالكرب والضيق والتخبط، ونظرة الصالح تشعرك بالأمن والرضا والسكينة، ومثالها نظرة الأم الرؤوم وأثرها في التربية، والفعّال حقيقة هو الله مسبب الأسباب، فالسعيد من عاشر الصالحين وترك الحاسدين، وعاش نعمة الرضا بعطاء الله لغيره وله، وكلما رأى نعمة له أو لغيره قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

 

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

طباعة