ظاهرة الصلاة على الكراسي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لم تكن معهودة هذه الكثرة التي نراها في المساجد من الصلاة على الكرسي، إذ لا تكاد تجد مسجداً إلا وترى فيه عدداً من الكراسي المهيأة للصلاة عليها، فسهلت لذوي الأعذار وغيرهم أن يؤدوا صلواتهم عليها مع أننا نراهم يأتون ماشين، ولعل أحدهم يقف طويلاً في حديث جانبي، فإذا دخل في الصلاة تربع على الكرسي، فهل مثل هذا يكون معذوراً؟

الجواب عن ذلك: أن نبين أن القيام على القادر، في صلاة الفرض، من فرائض الصلاة وأركانها التي لا خلاف فيها بين أهل العلم، فقد قال الله تعال: {حَافِظُوا عَلَى الصلَوَات وَالصلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ} فكما أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة فكذلك أمر بأن تؤدى بقيام وخشوع، فقد ذكر المفسرون أن القنوت طول القيام، وقاله ابن عمر وقرأ: {أَمنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «أفضل الصلاة طول القنوت» أي القيام، كما قال الشاعر:

قانتاً لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس اعتزل

وهذا ما بينه قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، فقال «صل قائمً، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب»، فلم يعفه من القيام إلا عند عدم استطاعته، وقال صلى الله عليه وسلم «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وما كان صلى الله عليه وسلم، يصلي الفرض إلا قائماً، إلا ما كان منه في مرض موته، فدل على أن القيام ركن من أركانها، فمن لم يصل قائماً مع قدرته عليه لم تصح صلاته؛ لمخالفته هذا الهدي النبوي من قول وفعل، وهذا الحديث عمدة أحكام الصلاة، فعلى كل مصل أن يفقه هذا حتى تكون صلاته صحيحة، وإلا لربما قيل له «ارجع فصل، فإنك لم تصل» إذا كان قادراً على القيام، فإن كان عاجزاً عنه بحيث لا يتمالك إذا وقف؛ لعجزه أو مرضه، فهذا هو المعذور الذي يصح منه القعود، فيصلي قاعداً، فإن لم يستطع فمستلقياً، فإن لم يستطع فعلى جنب، ويؤديها على أي حال كان وضعه، ولا يعذر بتركها ما دام عقله باقياً.

وما ذلك إلا لأهمية الصلاة التي هي سر العبودية، وهي صلة بين العبد وربه، فعلى المسلم أن يحافظ على أدائها كما فرضها الله من غير تساهل أو تكاسل.

هذا كله في الفرائض، أما النوافل فبابها واسع، فإن شاء صلاها قائماً وهو الأفضل، وإن شاء صلاها قاعداً، وله نصف أجر القائم، فقد قال صلى الله عليه وسلم «من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً ـ أي راقداً مستلقياً أو على جنب ـ فله نصف أجر القاعد».

وقد يقول قائل: إن إمامه يطيل في الصلاة فلا يقدر على ذلك، فنقول: عليه أن ينبه إمامه إلى ضعفه إن لم يكن يعلمه وهو يطيل فعلاً،وعلى الإمام أن يراعي أحوال الناس ولا يكون فتاناً لهم، فذلك دليل فقه، فإن لم يستجب وقف بقدر استطاعته فإذا عجز قعد على الكرسي أو على الأرض، وعليه مع ذلك الركوع والسجود بحسب استطاعته، ولا يعذر منهما إلا عند العجز كما القيام.

والله ولي التوفيق.

❊ كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

طباعة