أنشط وزير في العالم..

سامي الريامي

جميعنا يحب السفر، وجميعنا يطلب فوائد السفر الخمس التي ذكرها الإمام الشافعي في قصيدته الشهيرة، بل ربما الآن تضاعفت هذه الخمس لتصل إلى عشرات وربما مئات الفوائد.

ولكن عندما يصبح السفر هو الحالة الدائمة، والاستقرار هو الاستثناء، فإن ذلك لن يكون مريحاً للنفس أبداً، ومع ذلك فهناك من يعشق السفر إذا كان في عنوانه ومضمونه حب خالص للوطن.

لن يصدق أحد، ولكني متأكد مما سأقول، فهناك رجل إماراتي لم يقضِ طوال العام الماضي ثلاث ليالٍ متتالية في وطنه، ليس لأنه من هواة السفر، ولا منافس لابن بطوطة، ولا هو من المهووسين بالأرقام القياسية ساعياً إلى تسجيل اسمه في كتاب الأرقام، لكنه قضى أيام العام متنقلاً بين قارات العالم في رحلات «عمل».. لقد جاب معظم دول أميركا اللاتينية، وزار مجاهل وأعماق القارة السوداء، ومنها إلى دول آسيوية، وأوروبية وعربية، ودول أخرى منسيّة ربما لا يذكرها العالم كثيراً، كل ذلك تلبية لمتطلبات عمله الذي يؤديه على الوجه الأكمل، لأنه يشغل منصب وزير الخارجية.

زياراته لم تكن من أجل التمتع بالمعالم السياحية، بل كانت لمهامّ وطنية بحتة، نتج عنها نصر تاريخي للإمارات في شرم الشيخ، حين صوت العالم لمصلحة استضافة الإمارات مقر «إيرينا»، ونتج عن رحلاته المكوكية، إجماع عالمي على حق الإمارات في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية، وهذا بالتحديد كان حدثاً استثنائياً، عرف العالم من خلاله نموذجاً جديداً وللمرة الأولى، لإمكانية الموافقة على انتشار الطاقة النووية خارج الدول الكبرى المعروفة.. لن أبالغ إذا قلت إن عبدالله بن زايد هو أنشط وزير خارجية في العالم طوال العام الماضي بين 192 وزيراً وفقاً لعدد الدول في الأمم المتحدة، ولا أعتقد أن هناك وزيراً غيره قضى مئات الساعات في رحلات سريعة، للدرجة التي جعلت أحد مرافقيه يقول «كنا لا ندري عند الاستيقاظ نهاراً في أي البلاد نحن! هناك نوعان من الدبلوماسية وفق معايير إخواننا «الأميركان» الذين يقيسون أداء وزراء خارجيتهم بمعيار الأميال التي قطعوها سنوياً، وبالتالي فهم يعتبرون دبلوماسية «الرحلات المكوكية» هي الأنجح، ودبلوماسية «الهاتف» هي الأضعف، وهذا الانتقاد الأبرز الذي واجهه كولن باول على سبيل المثال. في الشهر الماضي تشرفنا بمرافقة صاحب السمو رئيس الدولة إلى قمة مجلس التعاون في الكويت، وبالطبع كان عبدالله بن زايد هناك قبل الوفود الرسمية بأيام عدة للمشاركة في اجتماعات وزراء الخارجية التحضيرية، وبعد أقل من 18 ساعة من عودتنا، كان موعدنا معه مرة أخرى في مطار أبوظبي للسفر إلى فلسطين، وكان هو وزير الخارجية الخليجي الوحيد الذي شارك الفلسطينيين احتفالهم باختتام فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية، والوصول إلى فلسطين كان بعد رحلة سفر إلى عمّان، ثم التوجه براً إلى رام الله ونابلس.. واستمر وجود «بومحمد» في نابلس إلى قبيل منتصف الليل وسط البرد والأمطار الكثيفة، توجه بعدها فوراً إلى مطار عمّان ومنه إلى مطار أبوظبي، وصلنا فجراً في تمام الرابعة والنصف، وقد أخذ منا التعب مأخذه، انطلقنا نحن نحو سياراتنا للعودة إلى بيوتنا، بينما نزل عبدالله بن زايد من الطائرة ليركب على الفور طائرة أخرى كانت في انتظاره، وبالتأكيد في رحلة أخرى جديدة.

reyami@emaratalyoum.com

طباعة