أحبك يا عجوز

حازم سليمان

أتعرفين؟..

هذا الغيم العالق في السماء لن يُمطر قبل أن أقولها.. أشعر أن..

نعم أرغب في ذلك جداً.. هي كلمة عالقة في فمي منذ خمسين عاماً. كبر الأولاد ورحلوا، تغير العالم، مات كل المطربين الذين نُحبهم، والكُتاب الذين قرأنا لهم، والممثلين الذين أمتعوا حياتنا، كل شيء تغير... وأنا طوال كل ذلك الوقت أرغب في قولها.. كلما هممت بذلك أشعر أنها عالقة في فمي، وكأنها مربوطة بحجر ثقيل إلى جوفي.

يا ترى هل ينفع قولها الآن؟ هل ستجدي نفعاً هذه الكلمة التي كنت تشتهينها كثيراً، وتنظرين إلي تلك النظرات المكسورة حين كنا نرى عاشقين في السينما يختلسان العتمة، أو في حديقة يتهامسان خلف شجرة، فأضغط على زندك قائلاً بصوتي الخشن: تفاهات.. كلام فاضي.. تمثيل.

لا أعرف لماذا كنت حريصاً أن أُتَفه الحب أمامك؟، ولماذا كان علي أن أنفيه من حياتنا كوصمة عار، وأن أجعلك تتعاملين معه على أنه أكبر كذبة في هذه الحياة، وأنه مضيعة للوقت، وأنه.. وأنه..وأنه..

لماذا الآن؟.. هل كنت أحتاج إلى كل هذا الوقت لأدرك أني بددت حياتك في أشياء ومتاهات، وكنت أخجل من أن تمسكي بيدي مثل طفلة ونحن نجتاز الشارع، ومن صوت ضحكتك، ونعومة أصابعك، ولماذا كنت أبقي تلك المسافة بيننا، وكأنه لا يليق بك الحب، وكأنني كنت أجاهد لنزع أنوثتك، تشويهها، قتلها، لأنعم براحة بال تحولت مع الوقت إلى حزن صامت يشبه الموت.

هل تأخر بي الوقت لأدرك أننا نعيش في مجتمعات تَستَعِر من الحب، تعامله كخطيئة لا تُغتَفَر. هل تأخر بي الوقت لأدرك أني أيضاً ضحية، وأني حُرمت من التعبير عن انسانيتي، حُرمت من أن أتشارك معك كل تلك اللهفات التي كانت تتفاعل في قلبي فأكتمها وأخنقها كمن يخنق عصفوراً صغيراً يتعلم الطيران.

لماذا الآن؟ لا أدري.. ربما لأني أشعر بأن أبواب الأعوام المقبلة قد باتت موصدة في وجهينا، أو على الأقل في وجهي. وربما أريدك أن تعلمي ولو كان بعد فوات الآوان أن القسوة التي تسلحت بها طوال السنوات الماضية وبالأصح طوال العمر الماضي، لم تكن غير قناع لأنجو فيها من الدهشات اليومية التي كنت تصنعينها في حياتي، فنجان القهوة الذي لم تزد حلاوته حبة سُكر زائدة، ابتسامتك التي لم تنسي رسمها على وجهك مهما كان حزنك، كأس الماء البارد الذي لم يتأخر عن موعده طوال عشرات السنين.

لا أعرف.. ربما ان همستها الآن كما كنت أريد دائماً لن تسمعيها، وسترفعين صوتك كالعادة، ماذا تقول يا أبو محمد؟.. وأنا كعادتي سأختبئ خلف الصحيفة استرق النظر إلى نشرات الأخبار، وأنظر إلى الساعة بين اللحظة والأخرى كي لا تفوتنا حبة الضغط، وكبسولة تمييع الدم، ومرهم الروماتيزم، وقطرة العين، ثم لنكبو معاً ونحن نتابع ذلك المسلسل التركي التافه بصوت مرتفع يزعج الجيران.

....

هيا انهضي... سنمشي معاً ونتعانق مثل عاشقين في العشرين..

سأرتدي لك البدلة البيضاء التي تحبينها.. ولن أتدخل هذه المرة في ملابسك..

هيا... لا تنظري إليّ هكذا...

لا.. لا.. لم أفقد عقلي...

فقط أريدك أن تعلمي أني أحبك... أحبك جداً يا عجوز.

 

hazemm75@hotmail.com

طباعة