رحماك بقاتل ولدي.. لو سمحت

مصطفى عبدالعال

نعم معالي القاضي، فالله أرحم منا به وأحلم منا عليه.. استدرَجَ طفلي البريء وهو يلهو في طريقه ليشتري الحلوى من البقالة يوم العيد، مازلت أذكر ابتسامته حين خرج فرحاً بالعيد، وكنت أنتظره لتخرج الأسرة احتفالاً بالمناسبة، لكن ماذا حدث؟ تلقفه ذاك الذئب الشارد - الذي تعددت سوابقه - فسلب عمري، وأفقد امرأتي النطق والرغبة في الحياة، ودمر كل أفراد أسرتي وجميع أهلي، أتدري ماذا فعل بولدي؟ ضع ولدك مكانه وأنت تستمع إلي، وتخيله وهو يسدحه أرضاً ليغتصبه! ترى ماذا فعل ولدي وقتها؟ أبكى أم صرخ أم أفقده رعبه النطق؟ كيف فسر ما يحدث له؟ هل ناداني واستغاث بأمه؟ هل بحث بنظرات رعبه عن أحد إخوته لينقذه؟ ثم كيف تلقى التهديد بموته؟ ثم لما تصاعد التهديد إلى تنفيذ؟ ليتني حبيبي كنت قادراً على سماع صراخك! ليتني خرجت معك أو خلفك أو سرت على عيني لأجلب لك ماتريد! كيف كنت يا قرة عيني حين التفّت أصابع الذئب حول عنقك؟ ما آخر ما تلفظت به؟ ماذا نطقت ببراءتك لتسترحم هذا الذئب؟ وكيف كنت لحظة خارت قواك وانقطعت أنفاسك؟

سيدي القاضي هل عندك دواء يفقدني الإحساس؟ إذن فهل تسلمني قاتل ولدي ثم لتحكم بعد ذلك بإعدامي إن شئت.. أعلم أنك لن تسمح لأننا لسنا في غابة ولأن دين الله يحكمنا، ورغم بركان قهري فقد سلمت أمري لحكم الله على لسانك.. لكني أعرف أن لك سلطة تقديرية بين حد أدنى وحد أقصى للعقوبة، وأعلم أن قانون المرافعات قد يقيدك أو يلزمك بمسار تفرضه قداسة القضاء وكفالة حق الدفاع، وأعلم أن القضاء الواقف مكمل للقضاء الجالس لتحقيق أسمى الأهداف، فهل من هدف أسمى من أمن وأمان إماراتنا الحبيبة؟ لذا أناشد أبوتك أولاً، وانتماءك لهذه الأرض الآمنة ثانياً، وقبل وبعد ذلك تطبيقاً لشرع الله، أن تتعامل بمنتهى الرأفة والرحمة مع قاتل ولدي! رحمة تجعله يتوقف تماماً عن الفساد في الأرض، رحمة ينزل بردها على قلب حرمتي المغيبة وأولادي المرعوبين، رحمة ترد ما تسرب إلى النفوس من الخوف، ارحمه بدرجة (المستراح) التي وصفها النبي لأمثاله، لما مُر عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْه؟ قَالَ «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشجَرُ وَالدوَاب». أرحه من ممارسة الجرائم، واقبل تنفيس والد مكلوم يخشى أن يقول مدافع: إن الشك يفسر لصالح المتهم، فقد محت البينة كل شك، أو أن يقال: كان تحت تأثير المخدر لأنها مصيبة أشد، والرحمن الرحيم بعباده قال {إِنمَا جَزَاء الذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتلُواْ أَوْ يُصَلبُواْ أَوْ تُقَطعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم منْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33) وقد ضمن سبحانه بذلك حياة عباده فقال {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلكُمْ تَتقُونَ} (البقرة: 179)

سيدي: نصف حياتي ردتها يقظة شرطتنا وحنكتهم وسرعتهم في فك اللغز المحير والقبض على المفترس، فهل ترد لمجتمعنا الحياة كلها؟

mustafa@watani.ae


المستشار التربوي لبرنامج "وطني"

طباعة