القصيدة وطن

زياد العناني

إذا كان الشعر في الغرب قد تم توصيفه على أنه هدوء ذو أجراس هائلة تقرع في مكان ضيق أو براعة النطق همساً ورعشة المتعة في الصورة والمعنى، فإنه عندنا وفي كثير من الاحيان مجرد صراخ مؤلم تتجمهر فيه وقائع محيط مبعثر ومخنوق لاعلاقة له بالحرية وتصاغ في مضامين لا علاقة لها بالشعر لا من قريب أو بعيد.

قصائد ملأى بالدم وأخرى تتكدس فيها الأسلحة إضافة إلى المديح المفتعل أو الاسترزاقي والايديولوجيات الضائعة أو المدسوسة التيأ تتجمهر هنا وهناك ويلجأ الشاعر العربي إليها لتحديد مكانه غير المحدد أصلاً في ظل حياة شديدة الشح في الاحوال لم يقدر لها أن تنتمي إلى الشعر فانتمت بلا روحأ إلى غيره.

ربما تكون الجغرافياأ العربية ظالمة ومغلقة رغم اتساعهاأ تخنق وتمنع فلا يتعدى الشعر حدودها وربما يكون الواقع السياسي ظالماً وربما تكون السلطة قد انجزت خطابها وانجزت للشاعر صورته وعوالمه، ولكن السؤال المؤلم هنا هو كيف يستسلم الشاعر وهو النافر والمتمرد والمستمع الأول لنبض الأشياء الوجودية وقلقها إلى نطق غير نطقه، وكيف ينساق وراء من دمروا الإنسانية ويشارك في جهودهم الفردية والحزبية ويتوافق مع طموحاتهم وتطلعاتهم، وينسى أن الشعر ضرورة إنسانية وروح رؤيوية تؤهل العالم تأهيلا جماليا وليس بوقاً أو مدفعاً أو بندقية أو دبابة تدمر دبابة أخرى.

ثمة شعر صافٍ يتجلى في عناده واطلالته الخالدة التي لا تكون إلا من علٍ. وثمة صياغات تقتات من سواد اللغة ومن نفاياتها وحين تمتحن تسقط على الطريق وتسقط قبله ايضاً.

والآن وفي هذا الوقت الذي يعلن فيه عن عزلة الشعر واندحاره تتقابل الأشياء معلنة عن عزلة الإنسان واندحاره ايضا، فلا إنسان بلا شعر ولا شعر بلا إنسان وكل من يحبذ من المعدنيين الجدد هذا الاعلان سيكون عليه أن يعلن أن غرفة الكون قد خلت من الاثنين معاً ثم يغيب في معدنه، لأن لغة الحسم لا تستعمل هنا وفي هذه المنطقة المنشغلةأ بالجمال دائماً بلا بطالة أو تتبطل ولا راحة فيها حتى في أيام العطل الرسمية.

منذ بداية الالفية الثالثة ونحن نستمع الى لغة فجائعية وخائنة لا تخلو من الاجحاف ولا تفرق ما بين الشعر والشعراء، ولا تريد أن تقف على الحقيقة الراسية التي تؤكد أن الشعر مبثوث في جماليات الكون كله وفي مناجمه، وان الشاعر الحقيقي هو من يبحث ليل نهارأ عن عرق الذهب وان الشاعر الكسول أو المزيف مجرد شخصأ يتلهى بأي معدن خسيس، وهنا يكمن الفرق بين الشعراء وهنا ايضا تتجلى القصيدة بكل تأكيد وتظهر حتى في الجانب الغامض منهاأ وتمس أرواحنا حين نرفع غرتها ونفك ضفائرها فتصير غيمة وطيوراًأ وتصير امرأة،أ وتصير ذبالة لا تنطفئ وتصير حقل قمح، وتصير دما يتمدد في أصابع العشاق، وتصير وطناً من لحم لا يفسر بالسوق المالية أو السلطة ولا يؤول إلا بالدفء فقط.

zayad_alanani@yahoo.com

طباعة