العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    مرض جورج.. وهيفاء

    إبراهيم جابر إبراهيم

    المشاهدون يبحثون دائماً عن بطل!

    عن صورةٍ يبحلقون فيها انبهاراً، ولا يصدقون بعد ذلك أي شائعةٍ عن صاحبها!

    .....

    ثم جاء التلفزيون!

    مصنع الأبطال والنجوم والرموز، هؤلاء الذين تتلقفهم الجماهير لتصنع منهم أساطير وخرافات، فلا يصدقون بعدها أن واحدهم قد يُصاب بالعرق، أو على الأقل يغشى عينيه القذى!

    وهكذا تسبب «التلفزيون» بأمراض كثيرة لدى المشاهد، مثل القطيعة العائلية، وانقراض عادة القراءة، وبلادة المشاعر، واعتياد الوحدة. والمقصود هنا الوحدة الغبية التي نقضيها ببلاهة مفرطة أمام الشاشة، لالتهام الشيبس والكاجو، لا وحدة التأمل والتفكير.



    هذا على صعيد ما أصاب المشاهدين، أمام الشاشة، أما ما أصاب المذيعين والمغنين ومن هم أمام الكاميرا، فأخطر وأكثر تشويهاً، وله علاقة بمرض الشهرة!

    وما زلت أذكر ما قاله جورج قرداحي، في حوارصحافي، أول هذا العام (أنا وأم كلثوم نمثل الإجماع العربي الوحيد على مدار التاريخ الحديث بأكمله)، فأي ثقة يحتاجها مذيع برنامج مسابقات ليتجاهل جمال عبدالناصر وفيروز وناجي العلي وإدوارد سعيد ونجيب محفوظ وسعاد حسني ومحمود درويش وغسان كنفاني ودريد لحام وعادل إمام و.......... ويعلن نفسه أهم من كل رموز العصر العربي الحديث؟ لمجرد ربما أن بضع نساء وحيدات طلبن أن يتصورن معه، أو أن بضع مراهقات ضحكن له في المصعد!



    هذا نفسه مرض روبي التي تعتقد أن حركاتها اللينة أهم من دماغ فاروق الباز أو محمد عابد الجابري، ومرض هيفاء وهبي التي ظلت تعتقد أن كل أصحاب «رجب» مهووسون بالتحرش بها، وخيانة صاحبهم، لأجلها، فناشدته في أغنيتها التاريخية التي سيتذكرها العرب على مر التاريخ بأن ينتصر لها و«يحوش» صاحبه عنها!



    فكرة النجومية في الوطن العربي، صارت تلقائياً تحيل للشعبوية، وللغث من الأشياء دون السمين، ولرخيص السلع، لا ثمينها، والجماهيرية أصبحت رهناً بالانتشار الواسع مع أن الانتشار لا يعني الإيجابية بالضرورة.. فالنكات البذيئة هي الأكثر انتشاراً بين الناس!

    حتى صار البعض يعتقد أن اجتماع الناس حول أي شيء يعني إجماعهم، مع أن الناس قد تجتمع في الشارع على حادث سير أودى بقطة، أو تلتمّ وتتجمهر على فضيحة!

    والمرض الذي يصيب بعض هؤلاء المغنين أو المذيعين، ويجعلهم يتصرفون دائماً كبشر من نوع خاص أو فصيلة متفوقة على الناس، سببه الناس أنفسهم حين يعلون من شأنهم، ويصفقون لهذرهم ويندهشون بسخافاتهم ويفتتنون بأشياء عادية جداً يفعلونها.

    فالمطربة في الاستوديو تقول للمذيع «أنا أصحو عادة في العاشرة صباحاً» فيضج الاستوديو بتصفيق الجمهور.. رغم أن هذا الجمهور الساذج معظمه يصحو في العاشرة صباحاً، لكن لا أحد يصفق له!



    هنا المصيبة، حين تصير أشياء هؤلاء النجوم وتفاصيلهم العادية أو الأقل من عادية خبراً مدهشاً يصفق له الناس، فالنجم في الاستوديو يمكن أن يقول «أنا امبارح كنت تعبان شوية ومصدع».. وقبل أن يكمل يفاجأ بمئات من الحمقى يصفقون، لا يعرف ولا يعرفون لماذا، لكنهم يستجيبون للمخرج الذي عقد معهم الصفقة قبل دخولهم، والتي تقضي بأن يظلوا على أهبة التصفيق بانتظار إشارة من يده!



    فكيف تصير الأمور إذاً حين تقوم شركات إعلام وفضائيات بتضخيم هؤلاء «النجوم»، وبذل كل ما يمكنها لزيادة «تنجيمهم»، وتسويقهم، فتصنع لهم عطوراً بأسمائهم، أو برامج عن حياتهم فتلاحقهم بالكاميرا في المطبخ والحمّام وتظهرهم كيف يتصرفون برأفة وحنان مع الخدم والشغالين!



    القصة في جمهور عربي صار كله جاهزاً، وعلى أهبة أن يفعل أي شيء، إذا ما ارتفعت بالإشارة يد المخرج!

    nowaar@hotmail.com





     

    طباعة