البحث عن وطن

أحمد السلامي

أتساءل حول مفهوم الوطن ومعنى المواطنة، وكلما فتحت وسائل الإعلام ملف هجرة العقول العربية إلى أوروبا، أتذكر مقولة صاحب «نهج البلاغة»، أفصح الخلفاء الراشدين وأغزرهم علماً الإمام علي بن أبي طالب إذ يقول: «الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة».

ولكن ليس الفقر المادي وحده هو ما يجعل المرء يبحث عن وطن بديل، ولو كان الأمر كذلك لأصبحت معظم الدول العربية - باستثناء الخليج - منطقة مهجورة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، وما تخلقه ظروف الاحتلال في فلسطين والعراق من صعوبات، ناهيك عن آثار الصراعات والفتن الداخلية في الأقطار التي تغلي على مراجل محلية الصنع، كما في اليمن والسودان والصحراء المغربية وغيرها من المآسي الظاهرة والمستترة.

فمهما امتلأ جيبك بأوراق البنكنوت وأنت تعيش في بقعة محاصرة بالخوف والقلق من شظايا الحاضر وألغام الغد، فاعلم أنك بحاجة إلى وطن بديل، يضمن توفير السكينة لروحك، والنوم الهني لأطفالك، والمساء الخالي من رائحة البارود وأزيز الطلقات.

الوطن هو تلك البقعة التي تشعرك بالأمان وتسمح لخيالك بالتحليق في المستقبل.

وما دمنا على أعتاب عام جديد، دعونا نتخيل التعريفات التي يمكن أن يسوقها الآن كل مواطن عربي يعيش عالقاً في اللاوطن.

عند الفلسطيني: الوطن هو الحلم بالعودة من الشتات، وهو الخريطة الملتحمة ببعضها من دون أن تقطع أوصالها الحواجز الأمنية والجدران العازلة، ومن دون أن يستأثر الانقسام بأطرافها، وهو الوطن الذي لا يحصل على قوته من أنفاق يتهددها جدار فولاذي، وهو الكرامة والسيادة التي لا تتآمر عليها مفاوضات سلام مشروط باستمرار الحصار.

عند العراقي: الوطن هو الذي لا يرفرف في سمائه سوى علم واحد هو علم العراق، ولا يتصرف بثرواته سوى شعب العراق، ولا تقرر خياراته السياسية وتؤطر انتخاباته إلا التحالفات التي تؤمن بتحرير العراق وعودة المهجرين والمشردين من أبنائه في المنافي.

عند اليمني: هو الوحدة التي تغتني بالتنوع وتحترم الاختلاف، وهو الذي لا يستقوي بلغة المدافع وخطاب الحسم ضد السلام الممكن، وهو الذي يوفر الحياة الكريمة وفرص العمل أكثر من توفير مكاتب الجوازات، وهو الذي يبني المدارس وليس السجون.

عند السوداني: هو الشراكة التي لا تستثني أحداً، ولا تتحول إلى «تكتيك» مؤقت، وهو الموحد في القلوب قبل أن تضمن وحدته القوانين والاتفاقات، هو الخبز الذي يخرج السودان من شريط أخبار المجاعات والحروب الأهلية.

عند المصري: هو التسامح والمحبة بين محمد وجرجس، بين أذان المسجد وجرس الكنيسة.

وعندي: الوطن هم الأصدقاء الذين لا يخذلون، والكهرباء التي لا تنقطع وأنا أكتب «مرافئ» الأحد.

slamy77@gmail.com

طباعة