لا تعجل.. لو سمحت

مصطفى عبدالعال

أجرى المحرر مع المطربة حواراً، والتقط من بيتها صوراً ثم سلم الموضوع لمجلته، حددت المجلة للموضوع صفحتين متقابلتين، تخيّر مخرج الصفحات ست صور وجعل الحوار على صفحة يمنى ومعه خمس صور بالحجم الصغير، وزعها طولياً على يسار الصفحة، وعلى الصفحة المقابلة بكاملها صورة للمطربة على مقعد وثير تضع رجلاً على الأخرى، فكان حذاؤها ملاصقاً لصورة أسفل الصفحة اليمنى، وهذا أمر طبيعي في لغة الإخراج، غير أن الصورة كانت لمصحف شريف على حامل خشبي منمق. وعند فتح المجلة تظهر صورة المرأة وحذاؤها يعلو الصورة المكرمة، وسريعاً انتقل الخبر للحس الفطري بالغيرة على كتاب الله، وعبر البث المباشر تفاعلت حمية الناس معه، وما أسرع ما تدخل المسؤولون جزاهم الله خيراً وأعلنوا توقيع الجزاء على المجلة بلفت النظر.

ومن الناحية التربوية لا ينبغي أبداً أن يمر المشهد مرور الكرام، فهو سلوك نمارسه من دون قصد جنائي، وما أحوجنا، أفرادا، إلى مراجعة السلوك، كل في موقعه، الناقل والمخرج والطبيب والخطيب والمهندس والبنّاء والمقاول والمتحدث في ما يعنيه والمتحدث في ما لا يعنيه، الكل مخاطبون بقوله صلى الله عليه وسلم: «من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين»، و«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فلو أن عندي خمس صور منها صورة المصحف فوقه عبارة بلسان المرأة «القرآن الكريم الذي يبارك بيتي»، وهو كتاب الله يعلو ولا يُعلَى عليه حسياً ومعنوياً، ولا يوضع فوقه شيء، لغيِرت موضع الصور وجعلت الأولى من أعلى هي المصحف بحامله، وأسلم ويسلم غيري من شبهة عدم إجلال كتاب الله، وقلت لنفسي: لا تعجل وافهم قبل أن تفعل. وهكذا حين يضع أحدنا مصحفاً في سيارته وإلى جواره مثلاً حرز من العين، قد يكون خرزة زرقاء أو قرناً أو نموذجاً من حذاء طفل أو مجسماً ممسوخاً لقرد، معتقداً أن هذا يرد العين والحسد! أمع كتاب الله حرز؟ وهل يُتحرز من القدر بهذا؟ هو سلوك نقلده من دون أن نقصد منه الخطأ والتعدي، ولكن لا تعجل وافهم قبل أن تفعل.

كذلك حين تأخذنا الحمية والغيرة يجب ألا نحمّل الأمر فوق حجمه، لأننا بذلك نروج له ونساعد على تضخمه، وفي الحِكَم حين أشاع بعض الحاقدين على رجل نقائص ليست فيه، راح الرجل في كل مكان وفي كل مجلس يقول: إنهم يقولون عني كذا وكذا، فقال الحكيم: ما علمنا إلا منك، فأنت الذي فضح نفسه. والشرع أمر بستر الفواحش إذا حدثت، فهل نساعد على نشرها وهي لم تحدث؟ هل تحب أن تشيع الفاحشة بسببك ويزيد فيها الناقلون وتحسب عليك؟قال تعالى {إِن الذِينَ يُحِبونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تعْلَمُونَ} النور«19». لا تعجل وافهم قبل أن تفعل.

جميل أن نغار، لكن الأجمل ألا نتسرع، وجميل أن نحاسب المخطئ، ولكن الأجمل منه أن نأخذ بيده ليكف عن الخطأ ، وكم من مخطئ لم ينبهه أحد ولما تنبه أقلع وعلم غيره فاكتسبه المجتمع.

تأن ولا تعجل بلوم لصاحب لعل له عذراً وأنت تلوم

 

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

طباعة