العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    دبي.. كما يراها وافد

    إبراهيم جابر إبراهيم

    تفتح نافذتك، فتطل على القارات الستّ معاً!

    .....

    هي «دبي» إذاً!

    أنت هنا في بلدٍ تقالُ فيه «صباح الخير» كل يوم، بأكثر من ثلاثمئة لهجةٍ، ومئة لغة!

    تُفتح الشبابيك،تُسقى النباتات، يُجهز التلاميذ للمدارس، تُوضع حُمرة الشفاه، يُسلق الأرز، يُلبس الجينز، تُقاد المركبات، ويُشرب الشاي، كل يومٍ بأكثر من مئتي طريقة.

    في مطعمٍ صغيرٍ تتجاور خمسُ دول على طاولتين، وفي مصعد البناية تبتسم لبعضهما ديانتان، وتتلامس أكتاف ثلاث قارات.. قبل أن يهبط الجميع في طابقٍ واحد!

    وعلى مرآة الفندق الأنيق ترى وجوهاً سمراء، وشقراء، وبيضاء، وسوداء، وقمحية، وعيوناً واسعةً، وضيقةً، وضاحكةً، كأنما أنت لا تحتاج لتعرف العالم سوى أن تزور مدينةً واحدة!

    في دبي من السذاجة أن تعتقد بأن الناس جاؤوا هنا لمجرد فرصة عمل، فالذي ساق الناس إلى هنا، والذي جعل تأشيرة السفارة الإماراتية في كل بلد من تلك البلدان حلمَ كل شابٍ هناك، هو شيء أكبر بكثير من كيس «عُملةٍ صعبة»!

    ذلك أنه هنا، في دبي، لا شيء يقف أمام الموهبة والطموح الشخصي، ولا شيء يعيق من يملك القدرات النابهة، أن يصنع مشروعه، ويحقق أناه، وأن يشهر ذاته الكفؤة في وجه العالم، وأن يترجم أحلامه المؤجلة.

    كما أن من السذاجة ذاتها الاعتقاد بأن هؤلاء الملايين من السياح سنوياً، يأتون ليتبضعوا من «مهرجان التسوق»، أو ليشتروا الأقمشة والأنتيكات، وملاءات السرير، فهم في غالبيتهم جاؤوا يتسوّقون البهجة والهواء الآمن، البهجة التي لو كانت تعبأ في صناديق لكانت أهم صادرات دبي!

    والذي تشهده المدينة العربية الأكثر شهرة، ليس فقط هذا الحراك العمراني النشط، والأبراج الباذخة التي دخلت «موسوعة غينيس»، فالتنمية الاقتصادية، على أهميتها، ليست إنجاز دبي المشهود، بقدر ما هو المهم تنمية الدهشة!

    فمهما بلغت حصة المواطن من التنمية العمرانية، ومردوده من نسب النمو، وأياً كان حجم انعكاس التطور الحضاري عليه، في نمط معيشته وحياته اليومية، فإن حاجته للبهجة والشعور بإنسانيته المُقدّرة، تظل أولى احتياجاته، وهذا ما يحدث هنا؛ تنمية الدهشة، والعمل الدؤوب على زيادة حصة المواطن، والمقيم، والزائر، منها في كل عام!

    هنا مناخٌ مواتٍ، وأرضٌ ليّنة لأن يزرع الناس أحلامهم.. ثم ليروها تُورق.

    هنا، وبعد أن تعيش في دبي بعض الوقت، تكتشف أن ما يحدث بين الناس المقيمين فيها، ليس حوار سياح على الإطلاق، ذلك أن انطباعات السائح سريعةٌ وعابرة، وغالباً ما تشوبها المجاملات، وعبارات الامتنان، كما أن السياح عادة ما يقيمون بعيداً عن أهل المدن وينصرفون إلى نزهاتهم الأثرية، لكن الذي يحدث في دبي، الآن، مختبرٌ كبيرٌ للتعايش بين أبناء الثقافات، والحضارات، واللغات، والقوميات.

    لا أحد هنا يسألك: ابن من أنت، ومن أي بلدٍ أتيت، وما لونُ عينيّ جدتك لأبيك!

    في دبي تزرع الهنديةُ نبتتها الوطنيةَ على إفريز النافذة، ويُعلّق العربي علم بلاده في سيارته، ويشم الإفريقي طفله بوسمه القومي، ويفاجأ الأوروبي بأن العرب لا ينامون في حظائر الإبل؛... هنا نموذج آخر من العولمة التي لا تبتلع الهويات، وإنما تحتفي بها وتفسح لها لتتعايش، وتتحاور، وتلقي التحية على بعضها في مصاعد البنايات!

    ولا أعتقد أن أي باحثٍ أو دارسٍ مختص، أمعن قراءة التطبيق المشوه والرائج للعولمة، يستطيع أن يتجاهل الوجه الآخر، الذي تنحته رؤى عربية خالصةٌ، هنا، في دبي، وفق تطبيقات كثفت العالم، وأعادت صياغة العلاقات بين الثقافات المتشابكة والمتصالحة، لتنتج فهماً جديداً ينظم المعادلات الجديدة للكون، بحيث لا تتغوّل «الأتمتة» على الفكرة، ولا تجتاح «المكائن» مناصب البشر، ولا تهيمن أجهزة «اللابتوب» على مساحة المكتب كاملةً؛ فيظل هنا موطئ لقلم، وفرجار، وكتاب لـ «ابن خلدون»، أو قصيدة عربية.

    ....

    تفتح نافذتك فتُطل على القارة السابعة.

    .. أنت في «دبي» إذاً.

     

    nowaar@hotmail.com

    طباعة