حرارة الشعور

زياد العناني

من يتوقف عند مقولة المفكر الراحل هشام جعيط: « التاريخ هو القاعدة الأساسية للشعور الوطني» سوف يستغرب كيف وضع هذا المفكر يده على منبت ومبعث الفكرة الوطنية، وسوف يستغرب غيابها الحالي عن الحياة السياسية والاجتماعية بعد أن كانت حية ومتوهجة وموجودة في القرن الماضي.

ما هو الشعور الوطني؟ وكيف يجتمع ويتضخم ويتمدد، ليصير شعوراً قوميا كما كان يحدث في العقود السالفة، حين كانت الجماهير تتجمهر حول ضرورة الوحدة العربية أو حول ضرورة تحرير فلسطين؟

هل تم تخدير الشعور الوطني في البلدان العربية؟ أم تم استبداله بالشعور الرسمي الذي هيمن على كل مفاصل الحياة، وأهان رغبة الناس وتوجهاتهم.

في بلدان العالم المتحضر، تقاس حرارة الشعور الوطني بالاستفتاءات، أو من خلال استطلاعات للرأي تهدف إلى إثبات الحقائق ومعرفة التوجهات تجرى ما بين الفينة والأخرى، فتظهر النتائج قوة الشعور الوطني حول هذه القضية أو تلك، وفي مختلف القضايا المطروحة على الساحتين الداخلية والخارجية، وبناءً على هذه النتائج، تصاغ معظم السياسات التي تؤكد أنها والشعب شركاء في صياغة الحاضر والمستقبل معاً.

في بلدان العالم المتحضر، تتوقف الهيئات الرسمية عند قراراتها الشعبية، لأن المؤسسية فيها لا تحفل بالقرارات الفردية المستبدة، أما في العالم العربي الذي كان ولايزال يعيش شبه وطن أو شبه دولة فنجد أن لحظات الشعور الوطني تنبعث من خلال الأغاني الوطنية وكتابة المقالات خصوصا اليومية وافتتاحيات الصحف الرسمية كأن يسند إلى أربعة كتاب ممن استطاعت السلطة إغواءهم واستمالتهم عبر الهاتف مهمة مسخ التعبير الذي يختلج في أعماق الحركية الاجتماعية والقفز عليه من خلال التدليس وتبديل الواقع المرير بالكلمات.

والسؤال الذي يبرز هنا هو كيف لدولة عصرية أن تترك الشعب كله، وتعتمد على عدد من الكتاب الذين يبثون ما يسمى بالشعور الوطني البديل؟ ولماذا تضطر أن تقف في مواجهة أي شعور آخر يمكن أن يجزم بانكار وجودها أو الطعن في شرعيتها.

لا أحد يريد أن ينكر علاقة الحكومات العربية بالصالح العام، بل إن الأغلبية تشجع عليه وتتمناه، ولكن هذه العلاقة أصبحت في العقود الأخيرة معكوسة، بمعنى أن الصالح العام كما يفرزه النسق الحكومي صار «يتكوبس» في جملة من القرارات المشوهة والمنفصلة عن كياننا، بما فيها القرارات التي نشربها بجرعات متباعدة، أو التي لا تجد حيزاً من القبول والرضا، على الرغم من تمتعها بوصفة فيتامينات لتقوية الشعور الوطني.

من هنا، بات مهماً الجهر علناً بضرورة وجود وحدات استطلاعات وقياس للرأي مستقلة، كجزء لا يتجزأ من السياسة العربية المعاصرة يأخذ بها بصفة ملزمة في الجوانب السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والإعلامية، لترسيخ الصلة بين المواطنة والحالة السياسية، والكف عن تحقير الشعور الوطني، لأن هذا التحقير يسهم في تمدد طاقة الاحتقان وانفلاتها. وبناءً على ذلك، يجب أن تكف السلطات العربية عن حشر أضلاعها في اللحظات الشوفينية، لتكون جلاءً للعين ومبهجة للنفوس، لأن المقبول هو أن تتلمس ما يريده الناس، وتكف عن خطف تطلعاتهم وحريتهم، حتى تتمدن ويكون تاريخها وتاريخهم القاعدة الأساسية للشعور الوطني.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة