على المحك

زياد العناني

هل ينبغي للمفكر أن يستريح إلى موقعه كصاحب عقل جدلي، وينتهي على الرف، بمجرد أن يكتب أفكاره وينشرها، أم أن هناك ما يدعوه للوقوف خلف أفكاره بوعي وجرأة وقوة إيمان، حتى تتحقق أو يتحقق بعضها؟

سؤال طويل عريض، نتوقف عند تحرشاته واحتداماته، لأن هناك أفكاراً كثيرة تكتب بهدف رفض الاستبداد ومقاومته، ثم نكتشف ذات موقف أنها من صياغة مفكر يقبع في برجه البلاستيكي، وينأى عما يكتبه، وكأنه صاحب ظرف خاص يفصل بين أفعاله وأقواله.

ثمة ذات نرجسية تتجلى في كتابات فكرية لم يكتب لها أن تتدرج في مغامرة الحياة نجاحاً وإخفاقاً، وذلك لأن منتجها الأول يتوقع من القارئ العادي أن يقف خلفه كلامه، ويتعذب أو يقتل في شعابها، ويترك له فسحة الهرب عبر اللجوء الإنساني أو السياسي أو الأكاديمي للغرب، من غير أن يرىأ إشكالاً أخلاقياً في موقفه هذا، ومن غير أن يستذكر بعض المفكرين الذين نشروا أفكارهم ووقفوا خلفها وجربوا نقاط قوتها وضعفها بعزيمة فولاذية،أ فجاءت كتاباتهم مؤثرة، بمعنى أنها حررت وتحررت ولم تقف مقيدة أو مريضة في الكتب.

أألم نقع نحن القراء في شغف القراءة عن مفكرين جربوا المحنة وعاشوا فداحتها، مثل فولتير وجان جاك روسو وابن المقفع والحلاج والسهروردي،أ إضافة إلى عدد لا بأس به من المفكرين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لكل ما آمنوا به، فخرجوا من الحياةأ وتجمعوا في أساطيرها التي لا تضمحل ولا تغيب.

ماذا يمكن أن نقول لمفكر رخوي ومائل نحو الانحدار، وجد لكي يحرض الراهن علينا، وأخفق في أن يعطي تجسيداً حيوياً لأفكاره، ثم مضى مهاجراأ أو فضل أن يعتزل خوفاً من السلطة أو المجتمع أو التيارات الأصوليةأ أو حتى خوفاً من الظن السيئ. ثمة أفكار تنتهي صلاحيتها بعد النشر تماماً، مثلها مثل المعلبات الغذائية، وثمة أفكار أخرى تصاب بالكساح، لأنها في الأصل مجرد كتابات استعراضية ترويجية، وليست نقدية نهضويةأ ترفع رأسها وتدفع صدرها، لكي تدفع باتجاه تغيير الواقع، من خلال مصارعة القوى التي تصارع من أجل الاستيلاء علينا وعليها.

أوفي السياق نفسه، ثمة أفكار قد تثمن عالياً لأنها خرجت للنهوض بالأمة، وقدمت عروضها القوية في مسائل الإصلاحأ وإعادة النظر في قضايا مهمة في سوسيولوجيا التاريخ والحاضر وفي الواقع العربي، ولكنهاأ بقيت تسبح في معزل عن أصحابها الذين خارت قواهم، ولم تتوافر لديهم قصدية الإرادة، فما كان لهذه الأفكار إلا أن تفقد مسوغاتها الداخلية والخارجية معاً.

لا نريد أن نجلد أحداً، ولا نريد أن نستعرض بطولة ربما لا تتوافر حتى في بياننا النفسي، بقدر ما نريد أن نطرح أمنية تعبر عن المعنى الذي نحس به حين نقرأ أفكار من توجهوا إلى الجانب الجدلي للإنسان ومأساته مع السلطة والمجتمع، بكتاباتهم وأرواحهم وأجسادهم، فأثروا وتأثرنا بهمأ أفي المتن الفكري المكتوب، وفي السلوكأ الذي يعني أن الأفكار يمكن أن تتحول إلى لحم ودم وكيان، وتختلف وتتقاطع وتنبذ أفكار الصور المتحركة التي تصاغأ أجل الدراسات الاكاديمية فقط.


zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة