قولبة الشعر وتعميم التشابه

أحمد السلامي

كانت نبرة القصيدة عند محمود درويش ذات سطوة على كثير من الموهوبين، أولئك الذين حاولوا كتابة الشعر بعد أن سمحوا لصوت درويش واختلاجات كلماته بالتسلل إلى حبالهم الصوتية، فضاعت الموهبة وازداد عدد أفراد الجوقة خلف المغني الوحيد. تلك حالة استثنائية من حالات الشعر العربي المعاصر، تأسست على ثلاثية الصوت والصدى والقضية. وحتى الآن لا تخلو بعض المناسبات الشعرية من الافصاح عن امتداد النبرة الدرويشية المميزة إلى المنابر المؤثثة بالحزن على رحيل لاعب النرد الذي اختتم تجربته بما يشبه الابتداء قائلاً: لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي.

ما أقسى التشابه، وما أشد الأب الذي يلقّن خطوات أبنائه الدروب التي سلكها، وإن لم يكن معنياً بمهمة التلقين تلك، إلا أن الجوقة، مهما تبدل العزف ومهما اختلفت وظيفة المغني تظل مهيأة لترديد الصدى، مدفوعة بفطرتها التي جبلت على الاطمئنان لاستعادة ما وقر في الأذن، حتى إن الجمهور يفضل بدوره الانتشاء بالأغاني التي يحفظها سلفاً، لهذا يشترك جمهور الشعر والطرب في الجهر التلقائي بفعل الأمر «أعد».

ويمكن القول إن الوعي المشغول بالاستعادة يعكس موقفاً ضمنياً ضد التتابع والنمو باتجاه التعدد والتجاوز، وإذا ما حاولنا البحث عن امتدادات هذا الوعي في اللحظة الشعرية الراهنة، سنجد أن المتن النقدي يتماهى مع جانب مهم في المنجز الشعري الاكثر حداثة، وأعني به منجز قصيدة النثر، إذ يتحالف الشعر مع التنظير باتجاه تكريس مشهد شعري بأفق بارد لا يحتمل التجريب ولا يخرج عن مواصفات الناقد، كما لا يتخطى حدود السرعة التي ظلت القصيدة النثرية تسير بها منذ ولادتها المتعسرة، لدرجة ان الخوض في تاريخها ومرجعيتها هو المحور الأكثر بروزاً.

من هنا يؤسس الطرفان (الشعر والنقد) حالة اجترار تبدأ بتثبيت النص وإخضاعه لمقاييس محسومة، يجري التأكيد عليها عند كل استعراض صحافي لديوان شعري جديد. عندما يطالع احدنا بعض المجموعات الشعرية، أو عندما يتوقف أمام النصوص في مجلة ثقافية، صار بالإمكان الاستغناء عن أسماء بعض الشعراء وتأمّل اللكنة التي تسري بين السطور وكأنها مكتوبة بقلم واحد.

معنى ذلك ان الاجترار ليس لصيقاً بشكل شعري دون آخر، ومن الواضح أن عصبة من النقاد أفلحوا في ابتكار مقولات لتوصيف وتكريس قصيدة نثر ذات لون واحد، ويمكن للناقد الذي لم يرتبط بعد بهذا الحلف غير المعلن ان يلاحظ تكاتف بعض النصوص النثرية وهرولتها باتجاه التموضع حول محفزات شعرية محددة.

ويبقى زمام القصيدة بيد الشاعر، أو هكذا يفترض أن يعود إلى السير في المقدمة، لا ان يمشي خلف الناقد الذي يعلّب التجارب القابلة للتعدد في أقفاص ضيقة.

من السهل أن تكتب قصيدة ترضي ذائقة محرر ثقافي يهيمن على منبر إعلامي مؤثر، أو يدير مهرجاناً شعرياً سنوياً، ويروّج مع ثلة من النقاد لما يرونه سقفاً ملائماً ينبغي على القصيدة ان تلبي شروطه لتأمن عواقب المجاز الذي لم يعد يتماشى مع موضة المرحلة.

وبفعل هذا السعي العجيب نحو قولبة الشعر، وتعميم التشابه، وتضييق مساحات المغايرة، يغدو من الصعب أن تكتب قصيدة تشبهك وتلتصق باسمك، حتى لو سقطت حروفه سهواً في المطبعة.

 

slamy77@gmail.com

طباعة