العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    مجنون الشام

    إبراهيم جابر إبراهيم

    صياد أحول اصطاد عصفوراً أحول، مدّ يده ليضعه في القفص فوضعه خارجه، العصفور الأحول رفرف ليطير بعيداً فدخل القفص!

    هكذا تقول قصيدة قصيرة، للشاعر التونسي يوسف رزوقة، تذكرتها وأنا أقرأ خبراً عن رجل من بلاد الشام مكث في «مستشفى المجانين» لمدة 28 عاماً، قبل أن تقرر إدارة المستشفى الشهر الماضي إخراجه لسبب بسيط، لا يخطر ببال، هو أنه ليس مريضاً!

    هكذا، ببساطة، الرجل الذي ظلّ في «العصفورية» أكثر من نصف عمره، يصحو فجأة على صوت الممرض السمين يصرخ به وهو يضحك «يلاّ ولا.. خلص اطلع بلا غلاظة، انت مو مريض»!

    هنا يمكن أن ينتهي الخبر، وننصت لتعليقات ليست خفيفة الدم أبداً، بعضها يُشفق على حال الرجل، ويرثى لمأساته، وبعضها سيلومه ويُحمّله مسؤولية الخنوع والاستسلام، حتى إن كان قضى نصف هذه السنوات يصرخ ويحتج وينادي على الطبيب المناوب، تماماً كما رأينا في عشرات الأفلام المصرية!

    بعض السخفاء والسُذّج سيضحكون، لأنهم ببساطة سخفاءٌ وسُذّج!

    ربما واحدٌ سيسأل نفسه: ترى ماذا كنت أفعل أنا في ليلةٍ ما قضاها هذا البائس يضرب رأسه بالجدار ويبكي، قبل أن ينهار مثل فتاةٍ مغتصبة، وكم بصق دماً في حمّامات المستشفى؟

    وكم بكى مثل طفلٍ مقهور، وهو يشقى بكامل عقله وسط مئات المجانين!

    قلتُ هنا يمكن أن ينتهي الخبر، لكنه لم ينته، ففي الفقرة الثانية أن إدارة المستشفى طالبت المريض وعائلته بتكلفة طعامه وشرابه وإقامته عن الـ28 عاماً الماضية!

    هذا يعني أن الفاتورة ستشمل إذن نفقات العلاج، أقصد الإبر المهدئة التي كانت تغرس في جسده ليخرس!

    وراتب الطبيب الذي وقّع ورقة إدخاله المستشفى، ورواتب الممرضين الذين رفسوه بأحذيتهم عندما وقف في الممرّ كالخيل الحَرون!

    وعليه أن يدفع فاتورة الكهرباء، وكلفة صيانة جهاز الصدمات الكهربائية الذي احتضنه أكثر مما احتضنته أمّه!

    والحبوب المهدئة التي كان يجبر على ابتلاعها، ليكفّ عن الصراخ، وترديد أسطوانته اليومية: يا الله... يا الله وحياتك أنا لست مجنوناً!

    ❊❊❊

    هي ذاتها قصة العصفور الأحول، وقصة المسيحي الذي قضى في سجن عربي 20 عاماً بتهمة الانتماء لـ«الإخوان المسلمين»، والأب المصري طويل البال الذي بعد أن زوّج أولاده وبناته الخمسة، وأراد الصيف الماضي أن يستقر بهدوء آخر أيام العمر مع الحاجّة العجوز أم أبنائه، كشفت له الفحوص الطبية مصادفةً أنه عقيم. والمنكود سيئ الحظ الذي اكتشف قبل سنتين، في إحدى قرى الشمال الأردنية، أن أم أولاده الثمانية، ورفيقة فراشه لـ25 سنة هي أخته، فراح يبكي في الشوارع كالمجنون!

    ❊❊❊

    الأرجح أن مجنون الشام سيدفع ثمن الإبر، وثمن العدس المغشوش، والملاءات الكريهة الرائحة، وسيدفع حصّته من راتب «الممرض» الذي كان يتسلّى عليه في أمسيات الضجر!

    ❊❊❊

    كلنا دفعنا، فلماذا لا يدفع مجنون الشام.. على رأسه ريشة؟!

     

    nowaar@hotmail.com

    طباعة