شعارات

زياد العناني

ليس ثمة شعارات صادقة وأخرى كاذبة، سواء صيغت من الهم العام، أو لجأت إلى مسايرة الرائج والحاضر، أو أسرفت مثلاً في الخيال السياسي. فالشعارات مادة إعلامية، أولاً وأخيراً، تبث للسيطرة على الناس، بما تمليه الغنائم المتوقعة للفرد الطامح، مهما كانت مغلفة بالمصالح العليا، ومهما ابتعدت في صياغتها عن لفت الانتباه، أو ظهرت بلا مأخذ، أو حصلت على قوتها من التبرؤ من الاحباطات السابقة.

لا توجد شعارات تتمتع بصيغة حقيقية أو مطلقة. فالشعار مريض دائماً بالغرض، ويؤكد ويلح على أنه موجود، على الرغم من أن وجوده لا يتعدى اليافطة التي يظهر مزهواً عليها.

نحن في سوق سياسية، أو سوق صفقات سياسية واقتصادية وثقافية، لا علاقة له بالصدق أو الكذب، وإنما بقوة الإعلام المهيمن الذي لم نتعلم منه حتى الآن بأن كل شحنة كلامية تنطوي على قصد مخادع ومرسل، ليس بريئاً من اللعب بالمخيلة والشهوات وأنواع الحدس، وكذلك الانفعالات بغية الوجود المؤثر في الفضاء العمومي.

وبناء عليه، تصاغ الشعارات المزيفة، وهي تعتمد على مواقف سلفية لاستعادة الماضي التليد، وفي ظنها الهرب والتهرب من شعارات حقيقة واقعية، يمكن أن تنادي بنقل التقانة من الغرب إلى الشرق، أو بالدعوة إلى ضرورة البحث العلمي وتدارس مسألة الأمن الغذائي، لأن مثل هذه الشعارات الواقعية لا تجلب المال والجاه والنفوذ، ويمكن أن تظل ثاوية في حقيبة المفكرين وعلماء الاجتماع.

حين نفتش في شعار الوحدة العربية مثلا، نجد أن الجهة التي ترفعه تنصب لنا جملة من عوالم الأقوال والأفعال، التي تعرض وتلعب بنا من دون أن يظهر على اليافطة المعنى الغاطس في داخل من يرفع هذا الشعار، خصوصاً إذا غلف بدماثة خاصة تتحدث بلسان الأمة، وطموحات الأمة، مخفية طموحاته التوسعية في الحكم، واستكمال الحياة المتغطرسة التي تعني أن صاحب الشعار هو الرجل الأعلى أو الرجل الذي يستحق كل الثمار مع الشجرة.

والسؤال هنا هل يستطيع السياسي المعتمد على فن الممكن، أن يعلن عن أحلامه برداءتها وسوئها فوق يافطة بيضاء تماماً كما هي أو كما تراوده في حلم اليقظة، من غير أن يقع في حفرة الحالم أو المبتذل، ومن غير أن يستعين على الناس بالثقافي والإعلامي، واستثمار الشّرَه الربحي الذي سيعود عليهم من جراء وصوله إلى حكم البلاد والعباد؟

ثمة اعتداء تام على الحقيقة التي نبحث عنها في الخارج دائماً، وذلك لأن التمويه يقول بأنها موجودة فوق اليافطة، وفي الشعار وفي الخطاب الخصوصي، ولا أحد يريد لها أن تتمظهر ساطعة في تجلياتها المؤلمة التي باتت تكذب السياسي كما تكذبنا في كل شيء.

هكذا نرغم دائماً على تبادل الأوهام الكبرى، وتذهب السعادة التي هي «الخير الأعلى» بحسب أرسطو إلى منطقة غير ممكنة البلوغ، تاركة الأوهام معلقة في مكانها، لتمارس دورها مع جهة جديدة أخرى تتشكل في خضم واقع عربي مهترئ، فنجلس نحن -القدماء- على عتبات اللاشيء، لكي نستذكر المرحلة التي انخرطنا في خضمها بكل تصوراتها حتى نهرم، ونستقيل لمصلحة طائفة من المغلوبين الجدد تحمل هذه الشعارات المخادعة مرة أخرى، وتكرس استدامة الخداع السياسي بكل ما فيه من مرارة وعقد.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة