نار الطائفة

زياد العناني

حين يقول علماء الاجتماع إن الدين صار ظاهرة سياسية لها مؤسستها، يجب أن نتوقف عند هذا الكلام قبل أن نشج كلامهم هذا بحديدة أو حجر.

أليس في تحويل الدين إلى طائفة نقلة من المعنى الأول الذي يعني عبادة الله إلى معنى آخر، يمكن أن يعني عبادة الفرد أو الخلية المصغرة؟

ثم، أليس في هذا التساؤل ما يلزمنا جميعاً بدرس وتدارس ما هو ديني وما هو سياسي؟ ولماذا يحدث هذا الانزياح المعقد نحو تكوين قاعدة شعبية، تقنع الناس بأنها مهشمة وهامشية، إلى أن تتحول بعد حين إلى أصولية وبأنياب وقواطع تقضم وتعلك وتهضم غيرها، بحجة العدل والمحاصصة وتكافؤ الفرص.

بات معروفاً أن الطوائف تتشابه في التعصب، سواء كانت متصدرة للسلطة في بلد ما، أو متقوقعة في طيات المجتمع الذي تعيش فيه، وأن الفرق بين المتصدرة والمتقوقعة يكمن في لحظة الاستقواء فقط.

ومن هنا نحتاج إلى تبديد الغمام الأسود حول هذه الظاهرة، إلى الحد الذي يمكن أن يتبين معه أن الانزياح الذي تقوم به ليس انزياحاً نحو تحصيل الحقوق، وإنما هو انزياح سياسي، يستهدف السيطرة التامة على البلد الذي تعيش فيه، وإن لم تحدث هذه السيطرة دفعة واحدة، فلا بأس بالسيطرة على حياته السياسة وعلى مراحل، خصوصاً إذا تكورت هذه الطائفة على نفسها على الصعيد الداخلي، وانفتحت على الصعيد الخارجي، بجملة من العلاقات مع دول الجوارفي الجغرافيا، أو في قرابة المذهب المشترك.

ثمة أخطاء كثيرة في هذا المضمار لم تدرس ولم تشخص ولم تعالج بعد، غير أن الخطأ الأكبر الذي يجب ألا نتغافل عنه يكمن في وجود دول عاشت ولاتزال تعيش بعيداً عن مفهوم الدولة المدنية، تصر على تغذية الطوائف وتسلم بمبدأ وجوب هذا الجيب الطائفي المعتمد على هذا الجذر الديني، كما تسلم بوجاهة حقوقه، ليس من أجل تحقيق شعار التعايش السلمي، وإنما من أجل تأمين اصطفاف هذه الطائفة أو تلك مع الدولة، على الرغم من علم الدولة أن هذه الطائفة لا يمكن أن تنتمي إلى جسم الوطن الكلي، لأنها تعيش خارجه.

قيل الكثير عن قبول الطوائف على أساس أنها حتميات اجتماعية، وقد يكون مقبولاً أن تكون كذلك، إذا كانت خائفة أو مهددة، غير أن الأمر الذي لا يمكن القبول به هو أن تتحول إلى حتميات سياسية تتجاوزالوطن والدين إلى فرعيات ليست سماوية يختلف عليها.

من ينظر إلى حال الطوائف في العالم العربي سيجد أنها بالأصل انحازت إلى مصالحها على حساب مصلحة الوطن، وأن الوطن بالنسبة لها كان ولايزال مجرد كعكة في لعبة الاستحواذ التي تؤمن بها، وليس مظلة للجميع، وبناء على هذا، يجب أن نعي أن كل طائفة لا تنصهر في المجتمع الذي تعيش فيه، وفي الدولة التي تعيش فيها ستنخرط حتماً في تفتيت الوطن، ومن يقول بغير ذلك لابد أن يفتح كل مداركه، لكي يرى ماذا فعلت الطوائف بالعالم العربي والإسلامي منذ بدأت تتمظهر عبر مقولة «قيس ويمن» إلى الآن.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة