العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    أحلام امرأةٍ في العراق!

    إبراهيم جابر إبراهيم

    المرأة التي صارت أرملة من دون أن يلفت ذلك انتباه أحد حتى أطفالها، تظل كل الليل تعدّ أبناءها على أصابعها، ولكي يظلّوا كاملين تقطع أصبعاً كلما أكلت الحرب منهم واحداً!

    التي يناديها الجيران كلهم «أم عليّ».. بيتها الآن فارغ من رائحة «علي» ومن صراخه ومن دفاتره ومن ضحكته التي كانت تخُضّ السُكّر في عروق البلح!

    المرأة التي ابنها مع المقاومة وابنتها البكر ماتت تحت ركام «العامرية»، وأخوها مع العالقين في المطارات وحبها الأول في جبال الأكراد.. المرأة التي قلبها أرق من ستارةٍ خفيفةٍ في الهواء!

    التي كانت تلميذة تخطر بمريولها المدرسي عصراً في «شارع الأميرات»، وترى ظلها الحلو أطول من ظل النخلات، وتركض للبيت بقلب يتنطّط: ما أجملني يا أمي؛ كل الفتية همسوا لي، ومشوا بخطواتٍ ماكرةٍ خلفي! صارت الآن أرملة يتوزع حولها خمسة أيتام بملابس الحداد!

    المرأة التي كانت تحمل طفلين على كتفيها الممشوقين.. التقطتها «كاميرات الأخبار» تحمل جثة والدها وتجرّ إلى القبر أجمل أيام العمر.. وتبكي الرجل الذي كان يعبئ جيبيها بالفستق وأحلى ضحكات الآباء!

    ....

    الأم إذ تستغني كل ليلة عن «فراش ووسادة»، لأن الأولاد نقصوا واحداً..

    الصبية التي كانت تسهر في ميعة نضارتها مع الأغنيات، وتقرأ شعراً كشأن النساء العاشقات، وترسم أحلاماً حول الزوج وأطفال يلثغون براء «العراق»؛ وتُصر أن يكون البيت من طابقين ومدفأة في الجدار.. تضع يدها على خدّها الآن وهي تبيع الدّخان الرديء على أرصفة المنفى البارد!

    المرأة التي كانت تصحو كل فجر لتعدّ الأولاد لمدارسهم، وتمشط شعر الشيطانة الصغيرة، والزوج الكسول تغمزه من خلف ظهر البنات، وتلحقهم بالشاي والدعوات للباب.. تقف اليوم على الباب وحيدة ومهجورة كعتبة البيت: لا أولاد ولا زوج ولا بنات، ولا ضيف تسامره غير سائق سيارة الإسعاف!

    الأم التي كان لها أهل، ومرآة صغيرة للزينة، وأسرار مع الجارات، ومطبخ تنظفه باستمرار، وساعة للتأمل في حماقات الصبا، وألبوم للصور، وخاتمان من الألماس.. صارت الآن صورة في أرشيف الصحف في جارور كتب عليه «نساء عراقيات»!

    ....

    الأمهات هناك، مازلن يحلمن..

    لكنهن الآن لا يحلمن بالكثير: فقط بمترٍ مربعٍ واحدٍ من الظل ينام فيه الطفلان.. فلا تراهما الطائرة المقاتلة!

    هناك لا أحد يستطيع أن يُجري «تعداداً للسكان» لأنهم يتناقصون كل خمس دقائق!

    لا تصل حافلة بكامل ركابها إلى موقفها الأخير، ولا تهيئ عائلة طعاماً للعشاء فهي لا تعلم من سيعيش من أفرادها حتى المساء!

    لا يمكن لمعلم أن يكلف طلابه بواجب منزلي، ولا لعاشقة أن تعطي موعداً بعد ساعتين، ولا لنخلة أن تثق بمواسم البلح!

    الموت واقف على الأرصفة كأعمدة الهاتف، فضولي كالسياح، نهم ونشط وله حشد من المعاونين والمساعدين والمتعهدين.

    الذين يحضرون جنازة يحدقون في بعضهم بعضاً بارتياب: أحدهم في الجنازة المقبلة سيكون القاتل وأحدهم سيكون القتيل!

    الموت أكثر توافرا من الناس، فيموت المواطن مرتين أو ثلاثاً؛ يموت نيابة عن أخيه المسافر، أو والده السجين، أو أمه التي نامت مبكرة في تلك الليلة ولم تحضر الانفجار!

    نفتقد عراقنا، ونبكي مُلكا مضاعاً.. ونخلاً كان يطاول قامات الرجال.

    نبكي نهرين سُرقا، وشعباً خُذل في الواقعة، وشوارع حمل الغزاة رملها في جيوبهم.

    وها هي الخريطة العربية صارت أخف وزناً، إذ سقطت منها عاصمتان، وتخلخلت الأرض تحت أكثرها!

    nowaar@hotmail.com

    طباعة