أكبر الرجال سنّاً

زياد العناني

ذات قصيدة وصفت التاريخ بأنه «أكبر الرجال سناً»، وكنت حينها لا أتقصد توصيفا ذهنيا يتعدى هذا الإطلاق إلى فصامه الرسمي من جهة، والشعبي من جهة أخرى، ولم يدر بخلدي أن التاريخ يمكن أن يتمظهر في مجموعة من المؤرخين الذين يغذون مدونته بالوثائق والحقائق من موقع الممارسة الإصلاحية وتجلّيات الفكر العربي، لرفع قيم العدالة والمساواة والنهوض والتقدّم والبناء والتنمية االشاملة، أو الذين ينكبون مدققين على تقميش الأرشيفات لغايةأ تخدم في سلك السلطة فقط.

في حوار أجريته مع أحد المؤرخين، واجهت مأزق المباح واللامباح، فاستقر المباح على صفحة كاملة نشرتها، وتلطى غير المباح أو المضمر التاريخي في نفس المؤرخ، وفي نفسي السامعة على هيئة طيات مغبرة، ربما يمر العمر كله وهي تتأفف في هذين السجنين إلى أن تختنق تماما وتموت.

كيف يطمر مؤرخ كد وجدأ بحثه في قضية تتناول مفهوم السلطة في العالم العربي، خصوصا إذا عاين مأزق هذا المفهوم وفرق بين مفهوم المواطنة ومفهوم الرعية وبين للناس كافة، أن المواطنة حق ثابت في الدولة المدنية، وأن الرعيةأ لا تعني إلا أن الدولة مجرد مخفر أو مزرعة يديرها رجل ما، على اعتبار أنه يملك كل من فيها، بدءاً من الناس ومروراً بالأفكار وانتهاء بالمصادر الحية والميتة أيضا في هذه المزرعة.

ثم كيف تستقر النزعة التاريخية العربية في وعي مؤرخ حر يتمتع بفكر إصلاح ونهضة، وهو مخدر ومؤجل؟ وكيف تستقر كذلك في وعي الرعية، وهي تساق عنوة ضمن قطيع محكوم سلفا بالطريق أو المسرب او المذود المقصود؟أ وماذا يعني التاريخ هنا سوى أنه مجرد ذاكرة تتحدث عن وقائع كبرى تجري في عالم بعيد عن عالم الرعية وتطلعاته التي باتت تتأطر كلهاأ في نزعة استرضائية لصاحب المزرعة، توظف فيها الكلم،أ ثم تدخل ما تبقى منه على شكل نوتات وطنيةأ في مخارج الحروف، إلى أن يستقر الراعي في البأبأة والفأفأة، ويحتل اللسان كله.

ماذا يعني التاريخ في أمة تتمنى أن تفقد الذاكرة، سوى أنه يتجلى في الوعي على هيئة بقعة دم أو مقبرة أو سجن أو قرصة جوع أو نكبة أو نكسة أو هزيمة أو فقدان وطن أوأ فقدان وظيفة أو طيران رأس من بين الاكتاف قد يسمى بالرأس المقطوع.

ربما نحتاج لألف رابعة أو خامسة، حتى نفرق بين مفهومي المواطنة والرعية، من دون أن نلجأ إلى طيات المؤرخ الخائف، أو الذي قضى العمر كله وهو يوفق بين السلطة واللاسلطة، وما بين الدولة واللادولة ليسهم في إنشائها وتسيير أمورها! وربما يقتنع صاحب المزرعة فجأة أن مفهوم المواطنة يخدم مصالحه أكثر من مفهوم الرعية، لأنه يصحبه إلى التاريخ، كواحد من الذين ساهمواأ في إقرار وترسيخ الصيغة الإنسانية الحضارية، ويرفعه عالياً بلا دم وبلا جثث، وبلا إدارة سياسية ملهمة لا تسمع غير صوتها، لأن الإدارة الحقة تتوزع هنا وهناك، وتوزع المكاسب على الجميع وكذلك الإخقاق.

وبعد، أليس في التاريخ أكثر من مدونة تؤكد أنأ صيغة الراعي الأوحد والملهم الأوحد تنذر بأسوأ العواقب، للراعي والرعية معاً؟

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة