اختزال الخليج في لون من الشعر

أحمد السلامي

من حق أي إقليم جغرافي أن يحتفي بتراثه ولهجته ومخزونه الشعري الذي يندرج ضمن مكونات هويته وذاكرته الشعبية، بل إن المؤسسات الدولية المعنية بصون التراث تضع الموروث الشفهي في خريطة اهتمامها وتجعله مقترنا بالموروث المادي، بمعنى أن المرويات الشعبية مثل السيرة الهلالية وغيرها من الحكايا والأساطير التي كانت ترويها لنا الجدات تتساوى قيمتها في نظر «اليونسكو» مع القلاع والحصون والمواقع الأثرية العريقة.

وعلى هذا المنوال فإن الشعر النبطي بما له من حضور تاريخي وامتداد على مستوى المكان والزمان، يتوازى في أهميته مع بقية الملامح الأخرى التي يتشكل منها موروث منطقة الجزيرة والخليج العربي، بما يختزنه هذا الموروث من تداخل وتعايش بين ألوان متنوعة من الفنون، أنتجها التنوع الجغرافي والتعدد في أنماط الحياة الاقتصادية قبل ظهور النفط.

غير أننا قد نختلف حول الفرق بين الحفاظ على الموروث بمختلف أشكاله واختزاله في لون واحد من الشعر ممثلا في الشكل النبطي، وهو شكل شعري أصيل، ينضح بالحكمة ويختزن خبرات اجتماعية وجماليات لا تفصله عن الشعر الفصيح إلا بارتكازه على اللهجة العامية.

لكن استحضار القصيدة النبطية بكثافة في الإعلام المرئي لم يتوقف عند مستوى التعريف بالتراث، بل يجري تسويقها بغزارة وكأنها العنوان البارز للثقافة في هذه المنطقة، وبذلك يسهم بعض الفضائيات في تغييب الصورة الراهنة للخليج، أي الصورة المعبرة عن نشوء المدن الحديثة والانتقال من حياة البداوة إلى المدنية، وأعني هنا بعض وسائل الإعلام والمنتديات الالكترونية التي جندت نفسها لبث مسابقات الشعر الشعبي من دون أن تعي أنها تلعب دورا خطرا في إعادة توطين وإنعاش ثقافة شعبية يفترض أن تعيش في الذاكرة، وألا تأخذ كل هذا المدى، أو على الأقل أن تتقاسم الحضور إلى جانب ما يمثل الثقافة الراهنة بآفاقها الحديثة.

من المحزن القول إن الآلة الإعلامية التي تسير على هذا النحو، تجعل المشاهد العربي يحتفظ بملامح وجوه شعراء المسابقات التجارية، في حين أنه لا يعرف أحداً من مثقفي وأدباء الخليج الكبار.

يمكن الجزم بأن هذه النوعية من البرامج قد نجحت إلى حد ما في اختطاف جمهور الشعر، وإذا ما استمرت فإنها ستفلح في إعادة تشكيل ذائقته، ولكن في اتجاه يدور عكس عقارب الزمن.

فخلال فترة قصيرة أحدثت الماراثونات الشعرية تحولاً عجيباً في تعريف ماهية الشعر لدى البسطاء من الناس، وبفعل اجتهاد أعضاء لجان التحكيم استعاد الشعر أغراضه المهملة، وبقي أن نشهد مواسم أخرى لتتويج أمراء جدد للشعر، وذلك كفيل بمحو ما أنجزه السياب ونازك الملائكة ونزار قباني وأنسي الحاج ومن تلاهم من المغامرين.

وأخيرا.. ما يمكن استنتاجه في هذا السياق هو أن الحداثة في المنطقة العربية ظلت حالة نخبوية معزولة عن محيطها الاجتماعي، لهذا السبب لايزال الماضي فاعلاً في الزمن المضارع، ولا تتطلب إعادة إحياء «داحس والغبراء» أكثر من مسلسل أو برنامج تلفزيوني.

 

slamy77@gmail.com

طباعة