العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    يا سمين تحت الاحتلال!

    إبراهيم جابر إبراهيم

    لعنة الله على الأوطان... خصوصاً حين تكون محتلة!
    تستبد بعاشقيها؛ كالنساء إذ يُدركنَ كم هُنّ جميلات، وكم هم - أعني العاشقين - حمقى.
    يموت الجندي من أجل أن لا يَختلّ قوام الصحراء...
    وهو لن يبقى ممشوقاً في كلا الحالتين، إذ يلزمنا متران من الأرض لكل واحدٍ إذا ما داومنا على ادخار الشهداء!
    ما الأرض....؟!
    التراب المنعوف في الطرقات؟ أو ربما الطرقات ذاتها؟!
    أم يموت الناس في المعارك من أجل هذا التراب الغبي الذي يبيعونه أكواماً في الكسّارات؟!
    وهل تخاض حروب التحريرللاحتفاظ بأكبر قدرٍ ممكنٍ من «تراب الزرّيعة الأحمر» أو من الجبال الساذجة الجرداء التي تتشعبط عليها عصراً قطعان الماعز؟
    هل الوطن بضع أوراق من الخرائط الناشفة المشبعة بعرق ودخان المقاولين وتجار الأراضي؟!

    أم هو دعوات أم لطفلها في الفجر قبل الدوام المدرسي... ضحكةُ أبٍ لفتاته وهو يدسّ في جيبها مصروفاً إضافياً لم يلحظه الأولاد...فتى ينقهر حزناً لأن ابنة الجيران نامت مخطوبة في تلك الليلة... ياسمينةٌ تعربشت على حائط الجيران... عاملٌ توقف في الطريق ليعقد رباط حذائه... صبايا يافعات تحلّقن في جلسة نميمة... عائلة تتناقش في أنجع الطرق لشوي السمك... شابٌ يحلق ذقنه استعداداً لليلة الدُخلة... سائقٌ يشتم المشاة على الإشارة الضوئية... ولدٌ ماركسي يسخر من الحكومات... امرأةٌ ابتسمت لغمزة عين الجار... جدٌ تذمر من رسوب الأولاد في المدرسة... مراهقةٌ لا تفرّط في رسائل العاشق الخائب...

    الوطن ليس أكثر من هذه التفاصيل الصغيرة، المنمنمات الحمقاء، الأحداث التي لا تقدم أو تؤخر...
    لذلك، ليس من الحكمة أبداً الاحتفاظ بوطن كل سكانه من الشهداء!
    من السذاجة الاعتقاد بأن الوطن هو أكوام الرمل في ورش البناء، أو هي الإحداثيات التي يقترحها «مسّاح الأراضي» على زاوية المخطط!
    فالذين يموتون في حروب التحرير وثورات الاستقلال هم غالباً الفقراء الذين لا يملكون شبراً واحداً من عقارات بلادهم!
    لكن الفكرة في الانشداد الغريزي إلى الرحم، إلى تلك العلاقة بين المكان والرواية «الجينية» المشوقة حول أديم الأرض... والأجساد التي راكمته من جلدها!
    إلى ذلك الشغف بنوم القيلولة إزاء شجرة شخصية، أو فيء شخصي، أو حداء حائط شخصي جدا!
    هي فكرة الدفاع عن سرير النوم.
    التشبث بوسادة مرنغة بأحلام بالغة الخصوصية.
    التعلق بأرض أقامت لك احتفالاً عارماً حين صرخت صرختك الأولى!
    الأرض في المحصلة ليست هذا الجسد الصلد، المحشو بالماء والموتى..
    ليست وجهتي نظر بين سمسارين مختلفين في سوق الشقق، وليست «أطلس الخرائط» في حقيبة تلميذ الابتدائي، أو تلك الذريعة التي يسوقها الشهداء في معرض تبرير الموت المبكر.
    ليست شهوات اللاجئين، ولا حدائق البيوت المكسوة بالقرميد.
    الوطن ليس أكثر، ولا أقل من تلك التنهيدة التي يطلقها غريب في قاعة مطار كبير... مطار بحجم العالم!

     

    nowaar@hotmail.com

    طباعة