الترجمة والتطبيع

أحمد السلامي

وقعت الشاعرة المصرية إيمان مرسال في فخ التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني، أو هكذا بات بعض المثقفين ينظر إلى خبر ترجمة ديوانها «جغرافيا بديلة» إلى اللغة العبرية.

ويبرر الغاضبون ضد مرسال موقفهم بحجة أنها تلقت عرضاً من دار نشر إسرائيلية لترجمة ديوانها، فردت بالموافقة. بمعنى أن تواصلاً مباشراً حدث بين الطرفين، وهنا يتجسد التطبيع حسب رأي بعضهم. ولم ينف آخرون ترجمة دور النشر إسرائيلية أشعارا وروايات عربية من دون استئذان أصحابها.

قيل كذلك إن دور نشر عبرية ترجمت روايات ليوسف القعيد، وأعمالاً أدبية متفرقة لشعراء وكتاب آخرين، وإن بعضهم تلقوا عروضاً بالترجمة، لكنهم رفضوا التخاطب مع الإسرائيليين، أو الرد عليهم بهذا الشأن. ويريد اتحاد الكتاب العرب أن يظل حملة الأقلام صامدين ضد التطبيع الثقافي، وهذا منطقي من الوجهة السياسية المتسقة مع بقايا الصمود العربي. وقبل أن تبرز حكاية ديوان «جغرافيا بديلة»، كانت الساحة الثقافية في مصر منشغلة بقضية جواز ترجمة الكتب العبرية، ومدى اقتراب المسألة من كسر بيضة الصمود.

لكن الربط بين الترجمة والتطبيع يبدو أمراَ تعسفياً، خصوصاَ حين يطال الترجمة من العبرية إلى العربية، ولو من باب «إعرف عدوك».

ومن المعلوم أن العبرية لغة ميتة، لا يتحدث بها سوى أهلها، والأرجح أن الاهتمام بالأدب العربي لدى اليهود لا يتعدى الأكاديميين والمختصين، وبذلك، تنتفي إمكانية التكسب من الترجمة إلى العبرية.

وللكاتب المصري نبيل عبدالفتاح رأي عقلاني في المسألة، إذ يقول إن «من الطبيعي أن تتم عمليات الترجمة من كل لغات العالم، وهذا أمر لا علاقة له بالتطبيع والسياسة، لأنه شق ثقافي مرتبط بتوضيح الصورة المرسومة عن المجتمع والشعب، من خلال السرديات والشعر، ويجب عدم الخلط بين السياسة والأدب».

من المؤكد أن لا أحد يحتمل الجلوس على طاولة واحدة مع إسرائيلي، غير أننا بحاجة إلى الالتفات إلى ما قد نخسره، بسبب الفهم الجامد لمعنى التطبيع، لأن هذا الفهم هو الذي جعل العرب ينسحبون من معرض تورنتو الدولي للكتاب، فتركوا الساحة لإسرائيل التي تقدم نفسها في المحافل الثقافية الدولية بصورة تخفي عنصريتها ونشأتها المرتكزة إلى العدوان.

على صعيد الترجمة، يمكن القول إن صدور رواية عبرية في القاهرة وديوان شعر عربي في تل أبيب لا يعد من نواقض الصمود والممانعة، ولا يعتبر تطبيعاً.

التطبيع الفعلي هو أن ننسى ضحايا الحرب على غزة، وبقية المجازر التي سبقتها، وأن نبقى في حالة انتظار لاستئناف مفاوضات الحل النهائي، فيما يستمر اليهود في بناء المستوطنات وتوسيع رقعة الظلم، ثم يقضون إجازاتهم في طابا والعقبة!

 

slamy77@gmail.com

طباعة