الحقائق الغائبة في قضية ديون دبي

    جورج فهيم

    بصوت عالٍ وعلى كل المستويات من القمة إلى القاعدة، قالت دبي إنها غير قلقة على مستوى ديونها، حتى لو وصلت إلى 80 مليار دولار، ولا هي قلقة على مواعيد سداد الأقساط المستحقة، بما في ذلك 4.5 مليارات دولار يجب سدادها بحلول نهاية العام.

    وهذه الثقة ليست من فراغ، وإنما حصيلة مجموعة من المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية التي تؤكد أن حجم الديون تحت السيطرة، سواء قورن بحجم الناتج المحلي أم حجم الصادرات أم مستوى الإيرادات الحكومية.

    فمن الناحية المحلية مازال حجم الديون المطلوب سدادها سنوياً صغيراً جداً مقارنة بإجمالي الناتج المحلي للإمارة، الذي سجل نسبة نمو تتراوح بين 12٪ إلى 16٪ خلال الفترة بين عامي 2000 و،2005 كما تجاوز حاجز 198 مليار درهم في عام ،2007 وحتى مقارنة بحجم الصادرات فمازالت الديون المطلوب سدادها سنوياً صغيرة الحجم، حيث ارتفع حجم إعادة التصدير من 25.3 مليار دولار إلى أكثر من 31.1 مليار دولار في العام الماضي. وعلى المستوى الإقليمي، فإن تقديرات صندوق النقد الدولي لنسب نمو اقتصادات دول المنطقة ارتفعت إلى 4.5٪ بزيادة 0.5٪ عن التقديرات السابقة، وهذا يعني أن التعافي يثبت أقدامه فيما يلملم الركود أوراقه ويرحل، ويحدث ذلك في الوقت الذي كسرت فيه أسعار البترول حاجز الـ70 دولاراً، وهو ما يعني أن الاقتصادات الخليجية تحديداً لن تكون قادرة على تحقيق التعادل بين الإيرادات والمصروفات في ميزانياتها فقط، وإنما العودة إلى تحقيق فوائض مالية لتحقيق مشروعات التنمية الضخمة. يضاف إلى ما سبق أن أوضاع اقتصاد الائتمان العالمية تغيرت كثيراً عما كانت عليه في بداية الأزمة، وللمرة الأولى تسجل شركات التصنيف الائتماني زيادة في عدد الشركات التي حصلت على تصنيف ائتماني إيجابي مقارنة بعدد الشركات التي حصلت على تصنيف ائتماني سلبي. وهذه الحقائق تعني ببساطة عودة الثقة إلى أسواق الائتمان، الذي أصبح أكثر توافراً وأيسر شروطاً، وعلى سبيل المثال، استطاعت شركة «طيران الإمارات» أن تؤمن بسهولة أكثر من 413 مليون دولار من خلال طرح سندات لتمويل شراء طائرات جديدة، وقبل ذلك بوقت وجيز نجحت «بورصة دبي» في تأمين قرض مجمع لإعادة تمويل التزامات مالية سابقة بقيمة 3.4 مليارات دولار، وهناك مفاوضات جارية لتأمين مزيد من التمويل لشركات أخرى.

    وفي الحقيقة، هناك تصورات خاطئة كثيرة شائعة لدى البعض، فهناك من يتصور أن كل الديون يجب دفعها في وقت واحد وعلى دفعة واحدة، في حين أن آجال سدادها قد تمتد إلى 20 عاماً، كما أن البعض يفترض أن الديون علامة سلبية بالضرورة، متجاهلاً أن الديون في كثير من الأحيان تكون تعبيراً عن التوسع والنمو والطموح والرغبة في الوصول إلى أعلى درجات الكفاءة في استخدام الموارد المتاحة، وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة تعدّ أكبر دولة مدينة في العالم، لكنها في الوقت نفسه صاحبة أقوى اقتصاد في العالم.

    وما حدث في دبي ذاتها خير دليل على الدور الذي يمكن أن يؤديه الاقتراض من الخارج لتمويل احتياجات التنمية المحلية، فخلال ثلاثة عقود فقط استخدمت دبي ديونها لتحويل اقتصاد الإمارة من اقتصاد بدائي إلى اقتصاد قائم على المعرفة مندمج في الاقتصاد العالمي، وأصبحت تملك الآن أكبر شركة تطوير عقاري في العالم من حيث القيمة السوقية، وثالث أكبر مشغل للموانئ يمارس نشاطه عبر خمس قارات، وواحدة من أكبر 10 شركات طيران في العالم تربط دبي بكل بقاع الأرض.

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة