الهامش والمركز

زياد العناني

صيغ في الغرب ومن قبل نقاد معظمهم من أبناء المستعمرات السابقة في الشرق أكثر من دراسة خصوصاً في حقل النقد الثقافي تتحدث عن أدب الشعوب التي تحررت من الاستعمار أو «كتابة الضحية» تحديداً، وضمن تجليات تفنن مبدعوها كثيراً في حصرها بكتابات راحت تتحدث عن رد الهامش على المركز، وتفصل الأدب العربي عن الثقافة الكونية؛ باعتباره أدباً يحمل وجهة نظر الضحية فقط ،من دون وقفة نقدية حول تعيين هذا المصطلح الذي وقع ما بين التعميم حيناً، والتنبؤ النقدي في أغلب الاحيان.

إن تقسيم الأدب بناءً على هذه النظرية التي أسست لرد الهامش على المركز، أو ردّ الضحية على المستعمر، يضع كل آداب الشعوب في سلة واحدة؛ بحيث يصبح قطعاً أن لا مناص من اعتبار ان أميركا ـ مثلاً ـ ضحية لاتزال ترد على بريطانيا العظمى قبل قرنين،أ وان بريطانيا العظمى لاتزال ترد على الاحتلالأ الفرنسي، وان فرنسا لاتزال ترد على الاحتلال الالماني، وان المانيا لاتزال ترد على الاحتلال الروسي، وان العرب بدورهم يردون على الاستعمار الغربي، اضافة الى الكيان الصهيوني المزروع في جنباتهم المتألمة منذ بداية القرن الماضي الى الآن.

وأمام هكذا نظرية لابد من القول إن رد الضحية يأخذ عمومية لا حصر لها،أ وذلك لان المركز الحاليأ كان هامشاً،أ والهامش الحالي كان مركزاً، الأمر الذي يعني أن الضحية تحمل صفة الدم العالمي لانهاأ من الاجناس كافة، حتى وان توهمأ طرف وأرادأ أنأ يستعذب دور الضحية أكثر من الطرف الآخر لاعتبارات سياسية أو ابتزازية لا يهمها أن تفهم أن الأدب لا يحصر في شعوب معينة أو قارة معينة، وان حصرهأ في هذه المناطق الدمويةأ يفقده الصفة الجمالية التي تقرر في النهاية من هي الثقافة الأعلى والأسمى ومن هي ثقافة الدرك الاسفل أو الحضيض.

منذ بدء الاستعمار، ومنذ بدء الصراع ما بين المستعمر والمستعمر، كان هناك ما يمكن ان يسمىأ بالاستعلاء الثقافي ولعبته المفترضة، ولكن هذا الاستعلاء لم يستطع أن يخفي أن الادب بقيمته الجمالية قد تجمهر في اميركا اللاتينية، أي في منطقة الضحية، وليس في الولايات المتحدة التي كانت ولاتزال تصر على ان هذه المنطقة أقل انسانية من المتوقع بالنسبة لها على اعتبار انها الاخت الكبرى، وان لها قوة اخلاقية رائية تخولهاأ التشكيك في ثقافة الضد وطرح ثقافة بديلة تفرض فرضاً من خلال تعسفية القوة، ومن دون أن تتوقف لكي ترى أن قوتها هذه لا تستطيع أبداً أن تمنع كتاب أميركا اللاتينية من ممارسة الابداع وفرضه كقيمة جمالية الى أن يتغلغل في أنساغها بكل تأكيد.

ثمة حقيقة ثابتة يتم تجاهلها دائمًا؛ وهي أن القوة لا تصنع أدباً إنسانياً ينتمي الى دائرة المعنى، وانما تصنع مستعمرة آنية أو مجزرة أو مذبحة أو محرقة، وان كتاب القوة كتاب مرحلة لا غير وان الاساس في المفاضلة بين الثقافات يقوم على التجليات الابداعية والفنية البيّنة أو التي تحفر خلودها في الصخر دائماً.


zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة