هل نتحمل ثمن إصلاح الاقتصاد العالمي؟

    جورج فهيم

    خلف الكواليس وبعيداً عن مسرحية ضوابط حوافز مديري البنوك، اتفق زعماء قمة مجموعة الدول الصناعية العشرين ـ التي اختتمت أعمالها في مدينة «بترسبيرغ» الأميركية مطلع الأسبوع الجاري ـ على نقطتين أساسيتين ستشكلان أبرز ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد في مرحلة ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية.

    النقطة الأولى هي أن الولايات المتحدة لم يعد بمقدورها أن تقوم بدور مستهلك ومستورد ومموّل العالم، بينما تترك للآخرين مهمة الإنتاج والتصدير والاستثمار، لأن هذه الاختلالات الهيكلية لن تؤدي إلى تحويل أميركا إلى أكبر دولة مدينة في العالم وصاحبة أكبر عجز في الميزان التجاري فقط، وإنما تسببت أيضاً في إشعال فتيل الأزمة الاقتصادية العالمية عندما عجز الاقتصاد الأميركي عن امتصاص فوائض السلع والمنتجات ورؤوس الأموال لدى الدول الأخرى.

    وبعبارة أدق، فإن الاقتصاد الأميركي سيتحوّل من الآن فصاعداً إلى اقتصاد قائم على التصدير بدلاً عن الاستهلاك، معتمد على الاستثمار بدلاً عن التمويل، وهذا التحول سيخلق بحراً من التغييرات، لأن كل الاقتصادات الكبرى التي بنت استراتيجيات نموها وتعافيها على أساس التصدير إلى الأسواق الأميركية، عليها الآن البحث عن مكان آخر تصرف فيه منتجاتها.

    وأما النقطة الثانية، التي لا تقل أهمية عن الأولى، هي أن النظام الاقتصادي العالمي القديم الذي كانت تتفرد بإدارته مجموعة الدول الصناعية الثماني، وهي ناد مغلق يضم الدول الغربية بالأساس، قد ولّى إلى غير رجعة، وأفسح مكانه لنظام اقتصادي عالمي جديد تلعب فيه القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا، خصوصاً الصين، دوراً يتناسب مع استحواذها على أكثر من 50٪ من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن إدارة دفة الاقتصاد العالمي ستنتقل الآن إلى مجموعة دول العشرين، التي تضم في عضويتها لاعبين جدد مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا والأرجنتين وإندونيسيا وجنوب إفريقيا وتركيا والسعودية.

    وهذا التحوّل الجذري في ميزان القوى الاقتصادية بين الشرق والغرب يجب أن يترجم نفسه الآن على أرض الواقع من خلال المؤسسات الدولية التي تتولى رسم الأطر العامة لحركة الاقتصاد الدولي، خصوصاً صندوق النقد الدولي، الذي يشهد الآن صراعاً مكشوفاً على حقوق التصويت التي تتمتع بها كل دولة وعدد المقاعد المخصصة لها، بعد أن أبرزت الأزمة أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الصندوق في منع وقوع الأزمات الاقتصادية ومساعدة الدول على الخروج منها. وقد يبدو أننا في العالم العربي ومنطقة الخليج بصفة خاصة غير معنيين بما يحدث، لكننا في واقع الأمر في قلب هذه العاصفة الجديدة التي تتجمع في الأفق، فتحول الاقتصاد الأميركي إلى التصدير يستلزم خفض قيمة العملة الأميركية التي ترتبط بها معظم العملات الخليجية حتى تتمكن الصادرات الأميركية من منافسة مثيلاتها الآسيوية رخيصة الثمن، وبالتالي فإن كل الأصول الاستثمارية الاحتياطات الأجنبية بالعملة الأميركية التي تحتفظ بها الدول الخليجية ستتأثر بقوة، كما أن الدول الآسيوية التي اعتادت تصريف منتجاتها في الأسواق الأميركية لن تجد أمامها بديلاً غير الأسواق الخليجية لتعويض انخفاض صادراتها إلى الأسواق الأميركية، وهذا يعني أننا دفعنا في الماضي فاتورة السياسات التي قادت إلى الأزمة والآن يريدون منا تحمل فاتورة الخروج من الأزمة.

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة