سراب الركود وحلم التعافي!

    جورج فهيم

    كلما هبت علينا رياح الأمل والتفاؤل بقرب انتهاء الأزمة الاقتصادية العالمية والإفلات من براثن الركود الجاثم على الصدور، انهالت علينا سيول التقارير الاقتصادية التشاؤمية التي ترى أن التعافي مجرد سراب، وأن الخروج من الأزمة أضغاث أحلام، وأن ما نراه بأعيننا ونلمسه في حياتنا سحابة دخان عابرة ليس إلا.

    أقول ذلك بمناسبة الاستبيان العالمي الذي أجرته شركة «إف.تي.آي» الاستشارية العالمية لمديري 153 من كبرى صناديق الاستثمار في 15 دولة، وأظهر أن 64٪ من مديري هذه الصناديق التي تدير نحو 2.8 تريليون دولار يرون أن الأزمة لم ولن تنتهي، وأن علينا أن نتوقع ما هو أسوأ.

    ولا يتناقض هذا التقرير فقط مع حالة التحسن التي تشهدها البورصات العالمية والارتفاع في مؤشرات مبيعات السيارات والمنازل، وهما من أكثر القطاعات تضرراً بسبب الأزمة، وإنما يتناقض أيضاً مع تقرير مماثل صدر قبل يومين وأجرته مؤسسة «ميرل لينش» وأظهر أن نسبة 72٪ من مديري صناديق الاستثمار متفائلون بقرب انتعاش الاقتصاد العالمي وانتهاء أزمة السيولة والعودة إلى النمو.

    والواقع أن هذا التناقض الفاضح يطرح جملة من التساؤلات حول مدى الدقة العلمية للنتائج التي تتوصل إليها هذه الاستبيانات ومغزى توقيتات الكشف عنها وما إذا كان ذلك يخدم توجهات ومصالح معينة في الأسواق، وبالتالي ضرورة تجنب الاعتماد عليها في فهم حركة الأسواق ومزاج المستثمرين عند رسم السياسات واتخاذ القرارات.

    ومن المؤكد هذا التضارب يلحق الضرر بثقة المستثمرين في المستقبل ويدفعهم إلى مزيد من الحذر والتأجيل لقرار العودة إلى الأسواق مرة أخرى لممارسـة نشاطهم بصـورة طبيعيـة، وبالتالي الإسهام في إطالة زمن الركود.

    ولا أعرف أين كان هؤلاء المحذرون والمبشرون الذين يطلعون إلى الغيب ويقرأون وجه السماء عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم وهزت أركانه، ولماذا لم يستطع احدهم أن يحذر من حدوث الأزمة أو يعرف تداعياتها؟ وإذا كان ما يقولونه صحيحاً فأين ذهبت المليارات التي أنفقتها الحكومات على خطط التحفيز الاقتصادي وإنقاذ المؤسسات المتعثرة؟

    من حق المديرين أن يعبروا عن آرائهم سواء بالتفاؤل أو التشاؤم، لكننا يجب أن نتعامل مع ما يقولونه بحذر ونأخذ منه ما يناسب ظروفنا، لأن كل منطقة من مناطق العالم تأثرت بالأزمة بطريقة مختلفة وبدرجات متفاوتة وعلى مراحل متباينة، ولا يمكن التعاطي مع جدلية التعافي والركود بطريقة الأبيض والأسود، كما لو أن التعافي يهبط فجأة والركود يرحل من دون سابق إنذار.

    إن كلاً من التعافي والركود لهما علامات محددة وأدوات للقياس والرصد ومناهج للبحث والمقارنة، وربما كانت العدسة الحساسة لهذه التقارير قادرة على التقاط الأرقام والإحصاءات والبيانات، لكنها بكل تأكيد عاجزة عن الإمساك بالحالة المزاجية للمستثمرين، وغير قادرة على فهم أن عالم الاستثمار تتنازعه مدارس وفلسفات فكرية متعددة تعطي لكل من ينتمي إليها شخصية استثمارية متفردة في خصالها من حيث التفاؤل والتشاؤم والمقدرة على رصد الفرص والتحديات والرغبة في قبول المخاطرة.

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة