محنة مفكر

زياد العناني

لم ينتبه متزمّتو المنع إلى ما قاله الدكتور نصر حامد أبوزيد حول اهتمامه بما هو عام وإنساني في الدين، ولم يتوقفوا برهة عند ضرورة وأهمية كشفه القناع الديني السياسي، وفصله عن الخطاب الديني الأصلي الذي يعد ضرورة معرفية لابد منها، ولابد من أن يجري الحشد لها.

فالرجل الذي مارس التفكير في زمن التكفير ظلم كثيراً، ولم يستغل محنته أو أزمته مع بعض الرموز التي تدعي أنها الدين كله، فترك أهله وموطنه، وذهب بعيداً ليعانق خياراته الفكرية التي آمن بها، وتصرف على أساسها، ليقول كلمته التي لم تأت من فراغ ديني، بل من عارف حفظ القرآن، واعتقل باعتباره عضواً في جماعة «الإخوان المسلمين» في بداية حياته.

ولأن التفكير غير التكفير، كان لابد له أن يبحث في فهم الظاهرة الدينية السياسية، وفي تاريخها أيضاً.

ولم يدر بخلده البتة أن يخرج عن حدود الإيمان، ولكن حساسية أصحاب القناع الديني السياسي التي ظهرت بعد كتابه «نقد الخطاب الديني» الذي توجه فيه إلى نقد ظاهرة القناع المتطرف، وكيف أنه لا يختلف مع خطاب السلطة، الأمر الذي جعل من هذا المفكر عدواً لها، ولكل جهودها التي راحت تقدس كل فهم للنصوص التي جاءت حتى بعد القرآن وبعد السنة، مستبعدة أن يخضع أي نص مهما كان لسلطة العقل، خصوصاً أن هذا المفكر لفت نظر الناس إلى أنه لا يجوز ترك هذه الحساسية «تستخدم الإسلام والدين سلاحاً مقدساً مهما كانت مواقفها، لأن مكمن الخطورة هنا أن من يفسر النصوص الدينية يطرح تفسيره الذي يمتلك الحقيقة كلها».

وبناء على ما تقدم، نهض أبوزيد للبحث في «مفهوم النص»، وراح يقرأ النص بمواصفات الثقافة العربية آنذاك، مبيناً أن هذه القراءة ليست إنكاراً للنص الإلهي، ولن تكون أبداً، ولكن الاتجاه الآخر ـ أو المتزمت ـ لم يستمع ولم يفهم، واعتبر أنه يتطاول على الأمة، ويزعم بوجود «قرايين» كثيرة.

هكذا، وبأكثر من تهمة، اعتقد الاتجاه الآخر أنه انتصر على نصر أبو زيد، حين هجّره، وجعله يعيش طريداً، ولو انتبه هؤلاء إلى أبحاثه، لعرفوا أن الرجل لم يوجه نقده إلى الدين، بل وجّه النقد جله إلى التطرف السياسي والاجتماعي والثقافي، وذلك لأنه فهم أن التطرف الديني جزء من منظومة اجتماعية كلية أفرزت هذا الخلل من التطرف العقلي، حيث يقول، إن الواقع الإسلامي متدهور ليس لأنه إسلامي، وإنما لأن فهمنا له كان ولايزال متردياً.

هنا، لابد من السؤال: أين ذهبت الجامعات العربية؟ ولماذا لا تعيد النظر في العقاب الذي طال هذه المفكر الذي كشفت محنته أن السلطات العربية لم تتعامل بجزء يسير من احترام حقوق الإنسان، لأنها تركت أمره للمتطرفين، ولم ترفع الظلم عنه، ولم تدعم أبحاثه الساعية إلى كشف الأقنعة التي تسببت في تخلف هذه الأمة، وخلقت نوعاً من المسارب والطرق المقدسة التي لا يجوز أن يدخلها العقل، أو يدور حولها ؟

zeyad_alanani@yahoo.com

\

طباعة