شهادة دولية

    جورج فهيم

    وسط ضجيج الأزمة الاقتصادية العالمية كانت التأكيدات بأن الاقتصاد الإماراتي من أقل الاقتصادات في العالم تأثراً بالأزمة، تضيع سُدى، ولا تعرف طريقها إلى الآذان، فضلاً عن العقول والقلوب. لكن هذا الواقع لم يدم طويلاً، وتغير تماماً خلال فترة زمنية وجيزة لا تزيد على ستة أشهر فقط.

    وخلال الشهر الماضي فقط صدرت ثلاثة تقارير دولية تُغني الاقتصاد الإماراتي عن الحديث عن نفسه، وعن حجم الإنجازات التي تحققت، التي تعجز عنها دول عريقة، طالما كنا ننظر إليها بانبهار وإعجاب، وكان أول هذه التقارير هو «تقرير نيلسون العالمي لمؤشر الثقة» الذي يقيس ثقة المستهلك في اقتصادات 133 دولة، والذي صنف الإمارات كسابع أكثر دولة تفاؤلاً في العالم من حيث المستقبل الاقتصادي، بعد أن تمكنت من زيادة رصيدها من 77 نقطة في الربع الأول من العام الجاري إلى 84 نقطة في الربع الثاني من العام نفسه. وجاء تحسن الترتيب نتيجة طبيعية لشعور نسبة 45٪ من المستهلكين بأن مطلع العام المقبل سيشهد نهاية آثار ألازمة الاقتصادية العالمية، وانخفاض نسبة من يخشون على مستقبل الاقتصاد من 23٪ إلى 17٪ فقط، وانخفاض نسبة من يخشون على مستقبل وظائفهم من 36٪ إلى 32٪ فقط.

    أما التقرير الثاني فهو «تقرير التنافسية الدولية»، الذي يصدره «المنتدى الاقتصادي العالمي»، والذي صنف الإمارات في المرتبة الثانية إقليمياً، والـ23 عالمياً في تنافسية الاقتصاد، متقدمة بذلك ثمانية مراتب كاملة عن الموقع الذي كانت تحتله في تقرير العام الماضي، وهو ما يثبت ان إنجازات الاقتصاد الإماراتي لم تتوقف بسبب الازمة، ولم يتحول إلى بيئة طاردة للأعمال، مثلما حدث في اقتصادات أخرى، بل حققت تقدماً ملموساً وقابلاً للقياس في ما يتعلق باستقرار أوضاع الاقتصاد الكلي، وتطور أسواق المال، والعمالة والجهوزية التكنولوجية.

    ويصنف التقرير الثالث والأخير وهو «تقرير سهولة أداء الأعمال»، الذي يصدره «البنك الدولي»، الإمارات في المرتبة 33 في تقريره للعام الجاري، مقارنة مع المرتبة 47 في تقرير العام الماضي، نتيجة للتقدم الكبير الذي أحرزته في حماية حقوق الملكية الفكرية، وسرعة بدء وإنهاء المشروعات، والحصول على التراخيص والموافقات اللازمة، وعدم وجود عقبات أمام انسياب حركة التجارة عبر الحدود.

    وبعيداً عن المراتب والتصنيفات، فإن التقارير الثلاثة السابقة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك حقيقة واحدة، وهي أن الاقتصاد الإماراتي تحوّل إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وأنه تجاوز مرحلة الاعتماد على الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، وهذه المرحلة هي أعلى مراحل النمو الاقتصادي.

    والحقيقة الثانية التي تسجلها هذه التقارير، هي أن عملية الإصلاح الاقتصادي في الإمارات عملية مستمرة ودائمة، تتتابع مراحلها وتتداخل حلقاتها، ولم تكن في يوم من الأيام استجابة لظروف دولية ضاغطة أو عارضة، وإنما هي جزء لا يتجزأ من فلسفة التنمية، ورؤية التطور، التي تحفظ للأجيال المقبلة حقها في ثروة البلاد.

    وأخيراً فإن المراتب المتقدمة وشهادات التقارير الدولية لا يجب أن تتحوّل إلى (وسادة) نستريح فوقها من عناء رحلة الصعود إلى القمة، بل يجب البحث دائماً عن نقاط الضعف، وأوجه القصور لعلاجها، لأن من يتوقف عن التطور يسمح للآخرين بتجاوزه.

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة