اللعب

زياد العناني

منذ أن ناضل الباحث مايكل دوفرين، بحماس وحيوية، من أجل استظهار معنى اللعب كمتعة جمعية لكل الناس، ظهرت على السطح جملة من النظريات التي راحت تؤكد دور اللعب وحيويته في هز علاقات السيطرة والقناعات الأيديولوجية الحديدية، وتجاوز أسوارها من خلال نزع صلابتها اللعب عليها، إضافة إلى هتك علاماتها وعلامات سلطة الإكراه، سواء بحكمته أوبصبيانيته المضادة التي يجمع الناس عليها.

قد يكون اللعب فكرة صبيانية بامتياز، ولكن المؤشرات التي خلفها لنا علم الاجتماع تؤكد أن هذه الفكرة التي وقعت بين الفن واللافن كانت وراء الكثير من الأعمال العبقرية لكبار الفنانين والعلماء والمخترعين، بما فيها العبقرية القاتلة أو المخيفة حد الموت التي لعبتأ بالإنسان وبالطبيعة نفسها وأنتجت ألعاباً جمالية، كما أنتجت ألعاباً انعكاسية مدمرة.

بيد أن هذه الأعمال العبقرية لم تحدث في المناطق المتزمتة، أو المحافظة، وإنما حدثت بتلقائية في مناطق اللعب وحدها إلى الحد الذي يمكن أن نسأل فيه بعض المتذمرين من اللعب، أو المطالبين بحذفه، أو حتى الخائفين منه: ألم يكن التجريد في الفن لعبة هدفها مفارقة النزعة التصويرية للواقع؟ ثم ألم يحضر المكون السينمائي على شكل لعبة في الفيلم بداية،أ وفي الرسوم المتحركة والخدع السينمائية؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى فن السرد، ألم يتمثل خير تمثيل في «حكايات ألف ليلة وليلة» التي تعتبر مجرد لعبةأ كبرى جمعت مكائد الرجال والنساء في هذا العمل الجمالي والخالد في آن؟

أسئلة كثيرة قد تتجمهر في ملعب اللعب، غير أن المستغرب في هذا المجال هو لماذا حين ينضج المرء، أو يطير غرابه، يتوقف تماماً عن اللعب، بناء على مقاولات جاهزة وبلاستيكية تتحدث عن ضياع الوقت، أو العيب، والشخصية الاعتبارية، ولا تتحدث عن التكيف النفسي والاجتماعي الذي يوفره هذا اللعب، أو هذا النشاط التلقائي الموجود بيننا كضرورة إنسانية لابد منها لاستدراج الفرح والإبداع والتميز وفتح المخيال، من دون النظر إلى سن اللاعب وشعر رأسه،أ ومن دون العمل تحت ظل المقولة الاشتراكية البائسة التي ألغت لعب الكبار أو القياصرة لمصلحة «قيصر واحد هو الطفل».

كثيرة هي الدراسات والمعاجم السيكولوجية التي اعتبرت أن اللعب يشكل دافعاً اجتماعياً، وأن هذا الدافع هو الذي أكد ولايزال يؤكد لنا أن الحضارة الإنسانية في مجملها مجرد لعب، في الفن وفي الشعر وفي الموسيقى وفي العلم وفي السياسة، وأن هذا اللعب أسهم، ولايزال يسهم، في نمو هذهأ المجتمعات، وعدم تصلب شرايينها وتجهمأ ملامحها.

وأخيراً، دعونا نرفع راية اللعب في كل مكان وزمان، كي لا نتكلس،أ فالكائن منا يحتاج إلى اللعب، حتى يجرب ويرى ويلمس ويذوق ويستعمل حواسه كافة، ويقترب من الفن بلوحاته، ويقترب من الشعر بنصه المكثف، والمشحون بالاحتمالات كافة، ويقترب من الحياة التي تبتعد حتما كلما زاد تجهمنا.

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة