في استذكار لوركا

خليل قنديل

كيف يمكن للشاعر الحق المرتعش بحمى الوجود أن يتهجى الأشياء وينطقها باسمها الدارج، وهو أسير دهشة المشاهدة وأسير رغبة إعادة تأصيل المشهد ونطقه من جديد كي يزينه بعافية الكلام؟ وكيف يمكن للشاعر الذي نهض من حضن أمه للتو أن يوسع من خطواته ويركض كغزال بري، من دون أن ترتجف ساقاه ويتعثر من هول الملامسة الأولى للأرض؟

إنه الشاعر الإسباني فدريكو غارسيا لوركا شهيد الشعر العالمي المعاصر الذي مرت ذكرى اغتياله على يد الثوار الوطنيين وهو في الـ38 من عمره في 19 اغسطس عام 1936 من دون حجيج شعري الى قصائده وإلى تجربته الشعرية التي اعتبرت من اهم التجارب الشعرية التي عملت على تأصيل الشعر وإدخاله في المجرى المائي لنطق الشعر بالغناء والانشاد.

نعم لوركا الذي كان حينما ينطق شعره يرتجف كأنه يعود الى الارتباك الأول في النطق الذي عانى منه حينما كان عمره اربع سنوات، وحينما كان ينطق يتحول نطقه الى انشاد وغناء. لوركا الذي انخرط في الناس كي يأخذ أغانيهم ويحولها الى شعر على طريقته، حيث يقول عنه جيلر مودي توارا وعن تمثل لوركا للأغاني الشعبية «إنه يغنيها ويحلم بها ويعيد كشفها، وبكلمة واحدة يُحيلها الى شعر».

والشاعر لوركا هو فاتحة الحنين الشعري الذي تابع الغجر وتحولوا في تجربته الحياتية والشعرية الى مصدر إلهام عميق. تجلى حضورهم في بعض قصائده وهو يتصور ارتجافة الأرض تحت اقدام هذه الكائنات الغجرية التي تبدو في خفتها الأرضية كالنسيم العابر الذي يستعصي على الإقامة.

وهو الذي قال ذات مرة بحسرة نادرة «يا للخسارة لم يعد هنالك غجر يصعدون الجبل». وربما يكون هذا الحنين الى التعامل مع الأمكنة بنوع من الإلهام الغجري هو الذي جعله يصدر كتابه الأول والنثري «انطباعات ومناظر» عام 1918 وهو حصيلة رحلاته في اسبانيا.

ولعل الشاعر الإسباني لوركا هو أول من اكتشف قبح ثقافة المدنية الحديثة المتمثلة في مدينة نيويورك، وذلك من خلال ديوانه الشعري «شاعر في نيويورك»، حيث فضحت قصائد هذا الديوان الحضارة المزورة لأميركا. ومن يعود لقراءة هذه القصائد سيكتشف حجم الوحشة التي عاشها الفتى ابن الريف الغرناطي المدهش وسط وحشة الكونكريت.

ونحن نستذكر الشاعر لوركا نودّ ان نؤكد أن الشاعر أحياناً يمتلك القدرة على التنبؤ. لا لشيء سوى أن رغبته في تحقيق الحياة بأبهى صورها الجمالية يرتبط بشرط الافتداء، مثلما يرتبط بالمشيمة التي تتغذى من التوقع. وهذا ما كان للشاعر لوركا حينما أعدم رمياً بالرصاص بتهمة انه «مثقف.. صنع بكتبه ما لم تصنعه المسدسات».

أعدم لوركا ولم يوجد أي اثر لجسده الذي اختفى تماماً واندثر القتلة الحمقى تحت أقدام التاريخ. وبقي لوركا وبقيت نبوءته الشعرية تتردد «وعرفت أنني قتلت وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس فتحوا البراميل والخزائن سرقوا ثلاث جثثٍ ونزعوا أسنانها الذهبية ولكنهم لم يجدوني قط».

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة