غطرسة

زياد العناني

منذ بدايات القرن الماضي انبثقت أكثر من مدرسة نقدية في الغرب، استندت إلى الحداثة والنظر صوب التحرر من تأثيرات العقل الكلاسيكي المهيمن آنذاك.

لكن حساسية هذه المدارس النقدية لم تتوقف عند تكوين نقد جمالي مستقر، مستلهمة إياه في نسق معرفي واحد، يأخذ بعداً زمنياً يتيح له ان يتمدد في النصوص بحثاً ومعاينة، واستظهار ذائقة وتربية جمالية، إذ سرعان ما تنتقل هذه المدارس، وفي لمح البصر، الى موضة أخرى،أ تقدم لأنموذج حداثي آخر، متطهرة من الأنموذج الأول، تحت ذرائع شتى، بدأت بتسمية ما بعد الحداثة ثم عوالم ما بعد «البعديات»،أ وقد عنت هذه النقلات أن طفولة النقد هذه ما ان تظهر حتى تختفي، سواء عند النقاد المستقلين، أو في حرم الأكاديميات الجامعة المتغطرسة.

أما اللافت في هذا المجال فيحدث «عندنا»، خصوصاً ونحن نرى أن بعض هذه النظريات، التيأ اندثرت في الغرب منذ نصف قرن، تظهر في مدوناتنا وكأنها جديدة مثل البنيوية التي انحسرت في منتصف القرن الماضي، وصلت الى نقادنا متأخرة ربما بفعل غياب الترجمة بعد الألفية الثالثة، فراح بعضهم يعمل فيها بطريقة اكراهية، لا تأخذ في الحسبان أن فعل النقد هو في الأساس فعل تمييز وإضاءة، وليس تداولية غائية أو شوفينية أو أيديولوجية، يمكن لها أن تخلط الشرق بالغرب، لتخرج اخيراً وهي تشير إلى أن هذا النص ينضوي تحت مظلتها، وذاك النص يغط في مكانه متدنية لمجرد أنه لا يتوافق مع طرحها المتزمت، فيطرد من دون أنأ يأخذ صفة شرعيةأ وتنزع عنه الأهلية الى ان يتم ترحيله خارج المتعة الجمالية للنقاد.

في الآونة الأخيرة ظهر كتاب أكاديمي بعنوان «الرؤى المكبلة»، قررصاحبه فجأة أن يكون بنيوياً في خيره وفي شره،أ فقلنا نقرأ، وكانت المفاجأة أن هذا الناقد قد اكتفى من البنيوية بشرح قليل عن أصلها في المقدمة، ثم لجأ الى نقد انطباعي نصب من خلاله محاكمة أخلاقية للنصوص، معتبراً نفسه في موقع المربي الفاضل لشعراء منهم محمود درويش وعبدالمنعم الرفاعي، رائياً أن الشعر الذي يتقاطع مع الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد، مجرد «تغريبة»أ خارج السرب العربي والإسلامي على وجه الخصوص.

والسؤال الأول هنا كيف يمكن تعيين هذا النقد الذي يمارسه أستاذ جامعي بلا أدوات؟ سوى الادعاء بأنه القيم الوحيد على الأخلاق - ليس بمعناها الفلسفي- وإنما بمعناها القائم على جردة مما سمع ورأى، وما يتوافق مع موقعه الوعظي الذي يصبو إليه.

أما السؤال الثاني فهو كيف لمثل هذا الناقد أن يكون ناقداً وهو يتجاهل ماهية الجميل والسامي ايضاً في مجمل الإبداعي الإنساني بناء على الرغبة في فرض سلطته على الآخر من خلال هذا النشاط المفتعل والمكشوف، الذي ينال من أخلاقنا باسم الأخلاق التي تحتم علينا أن نذكر هذا الناقد أن الإبداع كله يتعين دائماً في عمل إنساني، وأن الجمال هو المؤسس الأول لكل عمل أخلاقي ليس بالمعنى الوعظي السلطوي، وإنماأ بالمعنى الفلسفي، وتحالفه مع القيم الإنسانية التي لا تخص الناقد وحده وإنما تخص كل إنسان في هذا العالمأ.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة