وأطعمني من جوع

ياسر الأحمد

ومن العجائب أني بما شاك منه محسود!

تذكرت بيت المتنبي هذا قبل فترة، حين قادتني ظروف العمل لتناول الغداء في مطعم شعبي، ورأيت رجلاً يسرع ليلمّ فتات المائدة، ويأكل من الطعام الذي تناولته على مضض، وبسبب الجوع فقط.

هذا موقف يتكرر في كل مدينة تقريباً، فحين يفقد الإنسان صبره على الجوع يفقد جزءاً من إنسانيته، وتنحط مطامحه لتقتصر على إسكات جوعه، ولذلك قال الإمام علي عن الفقر، وهو الأب الشرعي للجوع، «لو كان الفقر رجلاً لقتلته»، ولذلك قال أبوذر «عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج شاهراً على الناس سيفه»، لأن قوت اليوم هو قفل يضعه المجتمع على باب الثورة.

ولذلك حين قامت الثورة الفرنسية وطالب العامة بالخبز، قالت لهم الملكة «عليكم بالجاتوه»، فكانت النتيجة أن أسقطت ثورة الجياع عرشها. وفي روسيا حين عجز القيصر عن تأمين القمح للناس، بسبب الحرب العالمية الأولى، كانت المحصلة أن دفع حياته بديلاً عن القمح.

في حالات الناس العاديين يبدو الجوع كفراً لا مغفرة بعده، وتبدو المعدة الخاوية محركة للتاريخ، ألم تكن المجاعة من أسباب الحروب الصليبية؟ ألم يكن السمن والعسل اللذان وعد بهما المحاربون مسكناً لصفير أمعائهم الخاوية؟ لكن ماذا عن الجانب الآخر من الجوع؟ فبعض الناس يسعى بقدميه إلى الجوع، حتى يصبح الجوع علامة من علامات حياته، وباختياره.

المتصوفة يمتازون عن سواهم بقدرتهم على تصعيد الصيام، ليصبح تأملاً محضاً، وعملاً من أعمال الروح الخالصة، بعد أن يخرج الواحد منهم عن جسده، ويصبح قطعة شفافة كما يرون، حتى إنهم ابتدعوا صياماً خاصاً بهم سموه «صيام داوود»، حيث يصومون يوماً ويفطرون يوماً، وهم بذلك يقتفون آثار الرهبان المسيحيين الذين مجدوا الصيام كوسيلة مهمة للهروب من الشهوات، والقديس سمعان الذي أقام 40 يوماً فوق عموده الشهير بدمشق دون طعام، يصلح شاهداً على هذا النوع من المجاهدة.

والمتصوفة في صيامهم ينطلقون من فكرتين أساسيتين: السمو وتطهير النفس، والتوكل، فالصيام يؤدي إلى السمو بالنفس وتطهيرها كما يعتقدون، والصيام التام لفترات طويلة يعني كمال التوكل على الله الذي يطعم الجائع ويسقي العطشان دون جهد أو تعب.

لكن التواكل بهذا المعنى قد يعني الكسل والخمول والعجز، وهو أمر لم يوافق عليه المهاتما غاندي حين أعلن صيامه الكبير، في سعيه نحو الاستقلال، وهو النباتي أصلاً وهذا نوع من الصيام أيضاً، فصيام غاندي لم يقف عند التواكل، بل صار قوة دفع جعلت من بلاده قوة عظمى اليوم.

إذاً، بين جوع ثوار فرنسا، وتواكل متصوفتنا، واحتجاج غاندي السلمي.. أي جانب نختار؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة