التنمية الثقافية

زياد العناني

بات مهماً تعرية وكشف مصطلح «التنمية الثقافية» لأنه في الأصل مجرد اطلاق مفجع صاغته بعض النخب الحاكمة في الوطن العربي وحصرته في مواطن معينة لا تخدم إلا تطلعاتها في ضم هذا الإبداع الحقيقي والمتمرد ودحره وخنق صلافته في كل ما يكتب ويرسم ويمسرح، وفي كل ما يقدم من ابداع مرئي ومسموع أيضاً. منذ ما يقارب ثلاثة عقود قامت النخب الحاكمة بإطلاق مصطلح التنمية الثقافية من غير أن يدور في بالها أن الثقافة لا يمكن ان تحصر في رقصة فلكلورية أو أغنية شعبية أو متحف أجداد نستذكر فيه، وان هذا المصطلح الكبير لن يقوم على جملة من التداعيات وكذلك الهلوسات التي تحاول أن تحل محل المشاهد الإبداعية الواعية والمتمكنة.

بيد أن ثقافة الإحلال هذه لم تطور نفسها بعيداً عن الرغبات والحاجات ولم تسع الى استبطان قيم الحداثة المتنامية في الفكر والأدب وفي العلوم الإنسانية الأخرى وتكريسها هوية، بل راحت الى صياغة شعارات ما انفكت تموت على الأقمشة، وهي تحدثت عن احترام حق الاختلاف، ونبذ التطرف والمغالاة، إضافة الى نثر الترضيات التي لعبت كثيراً على وتر العدالة في توزيع مكتسبات التنمية الثقافية.

ولم تكتف هذه الجهات بهذا الحد من التدليس المدعم بالدعاية الإعلامية بل ذهبت الى رسم خطة توليدية حولت فيها اتجاهات الباحثين الى دراسة التراث وإعادة نسخه بدلاً من تقصي الجديد في العالم كله إضافة الى تقوية الدفع باتجاه الكتابة عن المدن خصوصاً في بدعة العواصم الثقافية التي اخفقت في فهم معنى التبادل الثقافي، حين أعلنت حضور تركيبتها المقربة وإخفاء الإبداع الذكي أو الابداع الذي لا يجامل ولا يحتال، كاشفة بذلك عن فضيحة هذه التركيبة التي تمت بعقود وهمية بينها وبين بعض «الكتبة» من المستضعفين والمسعفين في آن لصناعة صورة الضد التي تقوم على اخفاء الصورة الحقيقة التي ترى أن الإبداع يكمن في الوعي والموقف والمعنى القيم الجمالية.

لو تأملنا الآن التنمية الثقافية في العالم العربي لوجدنا انها لاتزال تتقوى على ما انتجته من تجارب رديئة تعمل بوضوح تام في منطقة الرضا التام وتقدم خدماتها في كتب تذهب الى الإيداع الداخلي ونراها ثاوية على المستودعات الحكومية وهي مغلفة بجهلها الخاص، فلا هي أعطت ولا تركت محلها للإبداع الحقيقي مهمة خلق تنمية تحتك وتبتكر وتتحاور مع العالم وتقدم اقتراحها في تلافيفه وطياتها الحضارية.

وبناء على ذلك تردت أحوال الثقافة العربية وضعف الاستثمار فيها، كما ضعفت حركة النشر والتأليف وتحددت إنجازات العقل العربي في مقاومة التخلف، والأنكى أنه بات خارج بيئته ولا يستحضر إلا من اجل السخرية المخجلة بدلاً من الاستعانة به للوصول الى الرقي والسمو الحضاري المنشودين.

وأخيراً ماذا تقول هذه النخب العاقلة لأحد مستشاري التقرير العربي للتنمية الثقافية د. علي فخرو الذي خلص الى أن وضع التنمية الثقافية في العالم العربي خطير لأن المسؤولين لا يقرأون، وان قيام أي نهضة ثقافية عربية ليس متاحاً في ظل انعدام بعض أساسياتها المفتقدة؟

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة