غـزو الإعلانات

    جورج فهيم

    عدد الإعلانات التي تتعرض لها، أو تتجاهلها، أو تسقط ضحية لها، يصل في اليوم الواحد إلى 20 ألف إعلان صادر من صحف وإذاعات ومحطات تلفزيون، وإنترنت، وموبايل، وإعلانات طرق، وعينات البريد ومنشورات توزع باليد، وبعبارة أخرى فإننا نتعرض لإعلان كل ثلاث ثوانٍ.

    وكان من الممكن القبول بذلك رغم تجاوزه كل الحدود، لكن الإعلانات هجمت حتى على ملابسنا، فأصبحنا نرتدي ملابس عليها إعلانات ونتبادل الإعلانات عبر البريد، بل إن الموضة لدى الشباب هذه الأيام، تتمثل في رسم العلامات التجارية لكبرى الشركات على أجسادنا بأحبار لا يمكن إزالتها حتى باستخدام المواد الكيميائية الحارقة. ومن الأمانة القول إن الوقوع في غرام الإعلانات ليس قاصراً على الشركات والمنظمات الهادفة للربح فقط، وإنما دخلت الحكومات إلى الحلبة أيضا، وأصبحت هناك إعلانات للحكومات التي تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والسياح، أو التي ترغب في الدفاع عن سجلها في مجال حقوق الإنسان، وعلى سبيل المثال دفعت روسيا ثلاثة ملايين دولار إلى شركة «كيتشوم» للعلاقات العامة، لشن حملة دعائية لتحسين صورة ساستها، فيما تدفع غينيا التي يعيش أكثر من ثلثي سكانها على أقل من دولارين يومياً، ما يعادل 120 ألف دولار شهرياً إلى شركة «كاسيدي آند أسوسيتس» للحديث عن طهارة الحكم، واستقامته والرفاهية التي يعيشها الشعب.

    ومع هذا الهجوم الإعلاني الكاسح، ازدهرت سوق وسائل الدفاع والمقاومة، وظهرت مجلات وبرامج إذاعية وتلفزيونية متخصصة في مكافحة الإعلانات، وتحديد وسائل تفاديها، وظهرت برامج كومبيوتر متخصصة لقتل الإعلانات التطفلية والبريد التجاري، ورغم كل ذلك، فإن فيروس الإعلانات يواصل تحوّره ويهاجم بشراسة في كل مكان، لأن الإعلانات أصبحت شهادة ميلاد للشركات التي تقبل عليها، وشهادة وفاة للشركات التي تتجاهلها.

    وفي الحقيقة، فإن خطورة الإعلانات ليس في ما تسببه من إزعاج وما تستهلكه من وقت للتخلص منها، وإنما خطورتها الحقيقية، تكمن في أنها تعطي مشروعية للكذب، وطالما أن الإعلان يقول ما يريد صاحبه أن يقول، فإن القبح يتحول إلى جمال، والشيخوخة تصير شباباً والصحراء تتحول إلى واحة غناء.

    وفي الواقع، فإن سباق الإعلانات يشبه إلى حد كبير سباق التسلح في أن تقوم شركة بزيادة إنفاقها على الإعلانات حتى يضطر المنافسون إلى مجاراتها في ذلك، وتنتقل العدوى بسرعة البرق من فريق إلى آخر، وتظل جميع الأطراف تدور في هذه الحلقة المفرغة، لإهدار الموارد من دون قياس حقيقي للقيمة الاقتصادية التي أضافتها الإعلانات وما إذا كان في استطاعتنا أن نحقق الأهداف نفسها بوسائل أخرى.

     

    georgefahim@hotmail.com

    طباعة