رمضان والقرّاء

ياسر الأحمد

يرد في بعض المأثورات النبوية أن أحد الصحابة كان يرتل القرآن ليلاً، وحين فرغ حانت منه التفاتة إلى السماء، فرأى غمامة كانت تظله ترتفع حتى غابت عالياً، وحين أخبر النبي الكريم بذلك قال له: هذه الملائكة كانت تستمع حسن قراءتك القرآن، وفي الأحاديث أيضاً كثيراً ما يرد الحث على تحسين الصوت بقراءة القرآن. خطر لي هذا لسببين، فأنا مغرم حتى الثمالة بصوت القارئ عبدالباسط عبدالصمد، ولا يكاد يمر يوم من دون أن أمتع نفسي بصوته الجميل جداً. والسبب الثاني هو عثوري على موقع خاص بالقراء ونوادر تسجيلاتهم. ثم إن رمضان شهر القرآن كما يُقال.

ثم فكرت بالتنوع الموجود في طرق وأساليب قراءة القرآن. فهناك مدرسة مصرية وأخرى مغاربية وعراقية وتركية وشامية وسعودية وإيرانية. وكل مدرسة منها تختلف في طرق إخراج الحروف، والتنوع في التركيز على الأداء أو التركيز على الخشوع أو إمتاع المستمع بالتكرار. ولا عجب فلربما انفرد المسلمون عن سواهم بابتداع فن التجويد، وإعطاء قراءة القرآن طقسية خاصة لا تتواجد في الديانات الأخرى. حتى إنهم صنفوا كتباً في القراءات السبع الشهيرة. وأخرى في أحكام التجويد التي تتسع حتى تشمل كل كلمة في القرآن تقريباً.

بالطبع هناك جانب ديني نفسي مستهدف من ذلك، فحينما يتلقى الإنسان القراءة بصوت جميل يجعله أكثر تقبلاً لمحتواها، خصوصاً إذا «صقلته المحاريب»، كما كان يقول المعري عن فن القراءة.

نعم، فن القراءة فالقارئ الجيد يجب أن يمتلك علاوة على الصوت الجيد خبرة بالمقامات الموسيقية، وبأساليب التطويل والتقصير في الأداء الصوتي، لكي يتجنب النشاز ويتخلص من ملل قد يرد على السامع.

ولذلك يرجع نقيب قراء مصر ضعف مستوى القراء اليوم إلى جهلهم «بطرق الأداء والمقامات الموسيقية»، لكنه وللطرافة يضيف سبباً آخر يتعلق بنوعية الغذاء الكيميائي كما يقول. وهو لا يجد حرجاً في مقارنة ضعف مستوى القرّاء بانحدار المستوى في «بقية الفنون». وهو يرجع تميز مصر في القراءة إلى «عهد الفتح الإسلامي لمصر، وحفظ المصريون القرآن فقرأوه على مقامات الترانيم الكنسية التي كانت موجودة من عهد الفراعنة ولكن مع الاحتفاظ بأحكام التلاوة كاملة سليمة»، من دون أن يعتبر ذلك مخلاً بقدسية القراءة أو بمستوى القارئ.

فأم كلثوم كانت تقرأ القرآن بصوت شديد التميز، وكلنا سمعنا ذلك في فيلمها «سلامة»، والسنباطي فرّغ بعض وقته ليعلم أحد القراء المقامات مقابل تعليمه القراءة. وعبدالوهاب كان مهتماً بأصوات القراء. ولم نعدم ظاهرة الانتقال بين الفنين. فصباح فخري كان مؤذناً بداية حياته، وبعض المطربين يترك الغناء ليتفرّغ لفن القراءة.

لكن هناك مدرسة أخرى في الخليج والسعودية خاصة، تمتاز بجمال الصوت، وبالتركيز على الخشوع و«المعنى»، من دون الاهتمام بالخاصية الموسيقية للصوت، بسبب موقفها الرافض للغناء، وهي مدرسة تلاقي رواجاً كبيراً في كل حال.

يذكرني كل ذلك بتراتيل فيروز الكنسية التي تذوب رقة وخشوعاً، وقد تصلح صباحاً أفسدته أخبار الموت والقتل.

ytah76@hotmail.com

طباعة