في ذكرى محمود درويش

أحمد السلامي

لم يعد عصرنا الراهن يحتمل النجومية الفردية، لا في السينما ولا في الغناء ولا في الشعر. لكن هناك استثناءات، فمحمود درويش الذي تمر اليوم الذكرى الأولى لرحيله سيظل الشاعر النجم بلا منازع.

ويستحق درويش هذه النجومية، ليس لأنه ألهب حماس الجماهير بقصيدته التي توحدت بالقضية الفلسطينية، بل لأن قصيدته الإيقاعية كانت ولاتزال قادرة على خلق حالة من التماهي بين الشاعر والمتلقي.

وتمتد نجومية درويش إلى ما بعد وفاته، ليس لأن عمله الشعري الأخير «لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي» صدر العام الماضي بعد رحيله، بل لأن قصيدته ظلت وفية للمنبر الجماهيري وعلى علاقة وطيدة بالمتلقي، أثناء إنجاز الشاعر لقصيدته وأثناء إلقائه لها بتلك النبرة الدرامية التي لن تنسى.

وهناك شاعران من الصعب تقمّص تجربتهما من دون أن تظهر حالة التقمص لدى من يحاول تقليد أحدهما، هذان الشاعران هما نزار قباني ومحمود درويش.

إلا أن درويش استطاع أن يرتفع بذائقة الجمهور من خلال قاموس شعري غني ومتعدد وبناء مركب للقصيدة يختلف عن البناء والمفردات في قصيدة نزار.

كنت قد قلت بعد رحيل درويش إن القارئ العربي سيحتاج لمرور فترة من الزمن كي يتأمل تجربته الشعرية بعيداً عن صوته المؤثر وبعيداً عن شخصيته التي كان لها حضور قوي على المنصة.

لقد كان صوته لصيقاً بشعره، لدرجة أنك حين تقرأ له كتاباً جديداً لا يمكنك إلا أن تستدعي حباله الصوتية وإشارات أصابعه في الهواء.

واللافت في تجربة درويش أنه أستطاع أن يوازن بين تحولاته الشعرية وبين حفاظه على نجوميته في أوساط شرائح مختلفة من الجمهور تضم النخبة والعامة، وهذه معادلة صعبة للغاية، إذ إن الشعر فن نخبوي ويتطلب من الشاعر الاختيار بين تصفيق الجمهور وبين القصيدة بأفقها المتجدد، لكن درويش اختار القصيدة والجمهور في آن واحد، واشتغل بذكاء على تطوير نصه الشعري من دون أن يقطع صلته بجمهوره، وفي الوقت ذاته نجح في سلسة دواوينه الأخيرة في إحداث نقلة بدت جوهرية في أعين النقاد، ولم تجعل الشاعر يفقد صلته بجمهوره، وإن كانت بعض الأمسيات الشعرية تدفعه إلى الغضب أحياناً بسبب إلحاح القاعة على طلب سماع درويش الثمانينات.

أعتقد أن تجربة محمود درويش اتكأت على الموازنة بين الخطاب النقدي للحداثة وبين قصيدة تنساب على مهلها وتجترح حداثتها الخاصة.

تتكئ تجربته أيضاً على الموازنة بين القارئ النخبوي والقارئ العادي، وعلى انسجام الشاعر مع ذاته ومع جمهوره الواسع ومع تحولات وعيه بالقضية الفلسطينية التي حاصرت بداياته الشعرية ثم حاصرها في النهاية بهواجسه وكينونته الإنسانية التي أصبح ينظر من خلالها إلى القضية من زاوية شعرية مختلفة، وهي الزاوية التي أتاحت له الاحتكاك بشعرية اللحظة الراهنة، وأعني بها شعرية قصيدة النثر التي نجد ظلالها تتماوج في بعض أعماله الأخيرة، حيث تنبني بعض صوره الشعرية خارج هيمنة إيقاع قصيدة التفعيلة.

 

slamy77@gmail.com

طباعة