السرير العراقي

ياسر الأحمد

بالتأكيد لم يكن أمراً مقصوداً مني،لكني حين أعدت ترتيب الكتب على المنضدة بجانب سريري لاحظت أن أغلبها لكتّاب من العراق. في البداية لم آخذ الأمر بجدية،لكني بعد انتباهة قصيرة قلت لنفسي: ما هذه المصادفة الطريفة!

الكتاب الأول كان رواية جميلة وساحرة للكاتب علي بدر عنوانها «الطريق إلى تل المطران» سحر هذه الرواية جعلني أحلم بها وبأحداثها، وهو أمر لا يهاجمني عادة مع كل رواية. تعتمد الرواية على عنصر التشويق والمفاجأة الدرامية بشكل ممتع فعلاً. فبطلها خارج من أحد الحروب العراقية الكثيرة ،لكنه سيدخل في حرب قد لا ينجو منها بعد أن أخطأته سهام الموت في المعارك. يسافر مدرساً للغة العربية إلى قرية مسيحية في شمال العراق. وهناك يصادف من ينتظر حدثاً لا يحدث كل يوم، ظهور نبي جديد، وتتسارع الأحداث لتقذف به في أتون البشارات والجرائم والحب بشكل يذكّر نوعاً ما بتسارع الأحداث في الرواية الشهيرة «شفرة دافنشي». لكن طريقة حسم الأحداث بإظهارها وكأنها كانت حلماً ليس أكثر لم تقنعني كثيراً، وبدت لي طريقة متعجلة للتخلص من تدفق السرد ليس إلا.

الكتاب الثاني كان «صورة أب» للكاتب والمعماري العراقي«رفعة الجادرجي» يتحدث فيه عن مفردات الحياة اليومية في منزل والده السياسي كامل الجادرجي، لكن بعيداً عن السياسة ودهاليزها. فالدهاليز في هذا الكتاب هي دهاليز المنزل وغرفه وطرق تصميمه وتفاصيل صغيرة من حياة الطبقة الوسطى العراقية في القرن الماضي. بالطبع نتوقع أن يتحدث الولد بإعجاب عن والده. لكن المهم أن هذا الإعجاب يقدم لنا بلغة شديدة الاقتصاد، وبعيدة عن الزخم العاطفي الذي يفترضه الموضوع. وهو ما يلائم شخصية الأب كما يبدو. هو الذي لم يقبّل ولداً من أولاده أبداً كما يخبرنا أحدهم.

الكتاب الثالث كان «هكذا قتلوا قرة العين» لعالم الاجتماع الشهير علي الوردي. ويتناول لحظة مهمة في تاريخ العراق الحديث مرتبطة بعقائد ومذاهب ولدت في القرن التاسع عشر وأسهمت امرأة تدعى «قرة العين» في صناعتها. فهي أعلنت السفور قبل أن يعلنه أي أحد في العالم العربي تقريباً. ورفضت سطوة مؤسسات الدين التقليدية في وقت كان مجرد التفكير في هذا الأمر خروجاً مرفوضاً البتة. ولذلك استحقت أن يقول عنها الكاتب «إنها سبقت عصرها، ولم تكن تخلو من عبقرية، ولو ظهرت في القرن العشرين فلربما كانت أعظم امرأة فيه» ولأنها سبقت وقتها فقد كان الموت شنقاً حلاً لتمردها على أحكام الوقت.

أما الكتاب الرابع فهو «ثياب الإمبراطور» للشاعر فوزي كريم وهو محاولة منه لمساءلة تجربة الحداثة الشعرية، وكيف يستطيع شاعر عربي يعيش في لغة وعالم «ما قبل حداثيين» أن يعاقر غرام الحداثة، وأن يمزج بين لغته الراقية واللغة اليومية المستعملة. وهل هذه الهوة المفترضة تسهم في ابتعاد النص الشعري عن الدلالات الروحية التي تولد من «فردية الشاعر». يمتلئ الكتاب بالأسئلة والأمثلة والأفكار الجديرة بالتوقف عندها.

لكن السؤال الذي لا أزال أسأله لنفسي هل يستحق بلد الإبداع أن تُكشف عورته بالفخاخ الناسفة؟ أما آن لهذا البلد أن يترجل؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة