الأدب الساخر

زياد العناني

شاءت الظروف أن يعهد إليّ بتنظيم ندوة للأدب الساخر ضمن أسبوع جمع جملة من الكتاب الذين يكتبون في هذا الجنس الإبداعي الذي أهمل من قبل النقاد، وظل عصياً على التصنيف أو الاستقرار في مرجعية محددة. وكان بيّناً لكل من شارك وكل من حضر أن من يريد أن يصنف هؤلاء الكتاب لابد له من العودة إلى تعريف ماهية الأدب الساخر، وكيف يكون أدباً له أسلوبه القائم على الوعي الشقي والذكاء، إضافة إلى متانة المبنى والمعنى، كما هو الحال عند الراحل محمد الماغوط بسخريته اللاذعة وغضبه المقيم، وكذلك الراحل محمد طمليه الذي أبدع نمطاً كتابياً زاوج بين النص الصحافي والنص الأدبي، ضمن لغة تكاد أن تكون ثالثة تقوم على الهتك والاعترافات الجوانية، إضافة إلى فهم ما يدور وما يمور في أعماق الشريحة الاجتماعية، وما يدور ويمور في الصالونات السياسية المغلقة أيضاً.

غير أن هذا الملتقى الأول طغت على ندواته كتابات ساخرة راحت تخلط بين العامية والفصحى لاستدراج الضحك أو البكاء، أو كتابات ظنت أن السخرية هي الكذب على الطفل قبل إعطائه الدواء، ولأجل هذه الغاية القاصرة فقط.

هل تكفي «خفة الظل» لكي يصبح الكاتب كاتباً ساخراً أم أن الأمريأخذ أبعاداً تتجاوز الخفة وسلاطة اللسان التي يمكن أن تطال شخصاً من خلال الهمز واللمز، ولكنها تكون عاجزة أمام مراكز القوى السياسية والاجتماعية لان هذه المراكز المنيعة لا تأخذ هذا الكلام على محمل الجد، باعتباره مجرد كلام يندرج في نكتة يرويها جحا هذا الزمان، ويمكن أن «ترش على الموت سكراً»، ويمكن أن تزيد الطين بلة، ويمكن أن تأخذ بعد «التنفيس» الذي تؤمن به الحكومات كي تضيع الحقائق بين المضحكات المبكيات.

ثمة كتابات ساخرة لا تمت للأدب الساخر بصلة، ويمكن القول إنها تشبه استدعاء عرض حال مختوم بجملة من الطوابع يشكو فيه الكاتب من فواتيره: فاتورة الماء وفاتورة الكهرباء والثلاجة الفارغة وأجرة البيت، حتى وإن استطاعت أن تأخذ شرطها في الحرية، كما استطاعت أن تأخذ شرطها في التسامح النسبي.

بيد أن الأدب الساخر الحقيقي في بلدان العالم الثالث لا يتمتع بهاتين الميزتين: الحرية والتسامح، وذلك لأنه مكتوب بهدف جوهري وأصيل، وهو تهديم الثنائيات المسلم بها.

وبناء على كل ما تقدم كان يجب التفريق بين الكتابة الساخرة والأدب الساخر الذي يعرّفه الناقد بنعبد العالي بالعقل الساخر، حين يقول إن هذا العقل لا يستند إلى أية سلطة في عمله، لأنه يؤمن بأن السلطة إنتاج وليست فوقية وعليه فلا بأس أن يحاول تجنبها والنيل منها من خلال مقابلتها بضدها، وذلك لأن الأدب الساخر يختلف تماماً عن المسخرة، خصوصاً أنه يهدف إلى الإيقاع بالعقول الجدية لكي ينزع عنها وقارها وصرامتها ويحاسبها، وهذا ما يجعل تعريف بنعبد العالي يركز على سلطة العقل الساخر التي يفرضها على عقل السلطة ليشكل سلطة ربما تستغل السلطة، ولكنها في النهاية تمنعها من التلذذ بخياراتها القوية.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة