انتكاسات

زياد العناني

«الحال من الأحوال» هذا ما يمكن أن يقال أمام ما يحدث من تحولات في بيان البنية الثقافية والاجتماعية التي انتهت إليها حياة الإنسان العربي من دون ردة فعل أو من دون اعتراض أو حتى شهقة ألم ساخطة!

طالنا الخدر تماماً، فلا غرابة أن نجد السواد الأعظم منا رهينة للا حسمية في أي موقف سواء كان كبيراً أو صغيراً خوفاً من فقدان الحاجة المادية أو الاعتقال أو عدم الترقية الوظيفية أو الدرجة العلمية الرفيعة، ولا عجب أيضاً أن نتخبط في مداهنة خليط من المسلمات الاجتماعية والسياسية والدينية من دون «النظر» في مدى صلاحية هذا الخطاب المستعمل، ومن دون التفكير في مسألة هدمه وإعادة تركيبه مرة أخرى لكي يتناسب مع روح العصر الذي هو بالضرورة يختلف ويتقاطع مع العصور الغابرة.

«لم تعد الثقافة العربية ثقافة، توتر وبحث وأسئلة» بحسب عبارة الغذامي وتذكرنا ظلال هذه العبارة بالتمحور والتخندق الذي لابد له أن يقودنا الى النظر في جملة من الانتكاسات التي طالت قادت التغيير في العالم العربي من أمثال طه حسين والعقاد وغيرهما ممن تنكر الناس لأفكارهم في البداية ثم تنكروا لها أو انقلبوا عليها في آواخر العمر. فمن يصدق أن طه حسين الذي تأسس في مدينة «منبيليه» الفرنسية على النزعة الديكارتية التي طبقها على «الشعر الجاهلي» سيخضع بعد حين لقوى المحافظة والممانعة ليكتب «عن الوعد الحق» دفعة واحدة ويفوز بوزارة باهتة. ومن يصدق أن جملة من المبدعين العرب قد استسلموا لقوى الجمود وانتقلوا فوق العربات من الحقل الحداثي إلى مصاطب «الكتاب» أو زمن التربية والتعليم بما اصطلح عليه بزمن البيضة والرغيف أو زمن القراءة تحت ظل من يعلم الناس بالعصا.

أين ذهبت أفكار سلامة موسى؟ وأين ضاعت المعالجات الخجولة للفكر العربي التي قدمها بعض المفكرين العرب وكيف استبدلت هذه المعالجات بمحنة الثقافة المنقادة والمتأثرة وليست المؤثرة؟

لا أحد يدري ما العامل المؤثر في تغير الرموز الثقافية ولا أحد يفهم كيف سقطت إما في الصمت أو الوظيفة أو رشوة السلطات بلا رأس مرفوع.

ثمة جهات كثيرة تعمل بجد وتثابر في تفريغ الأبعاد الثقافية وهدرها اضافة الى تفريغ صورالمثقفين واستبدالها بصور ربما يظهر فيها الوزير أو المدير الذي استسلم وراح يشارك باستبدال عقل التنوير بالمباخر والبيان اللساني المحلى بالعوج. ثمة جهات كثيرة لن نؤشر إليها لأنها معروفة جداً كانت مع العقل ثم مالت وصارت تريده خاملاً وغير مبدع ومعاقاً في بيئة اللاتفكير.

ثمة جهات تستغرب التثاقف والتواصل مع العمق الإنساني لأنها لا تريد ان نفهم أو نبحث عن عالم مكتمل الشروط نكون فيه أقوياء ونتجاوز الخيوط التي تحركنا كالدمى.

أين نحن الآن من نهايات القرن التاسع عشر ومن بدايات القرن العشرين حين كانت منزلة العقل راجحة لم يتضاءل حجمها ؟ ثم أين اختفت الجهود الإصلاحية التي كانت يجب أن تقودها الجامعات العربية التي باتت تخرج الأفواج من أجل العمل من دون أن ترتقي الى مسألة البحث العلمي أو المساهمة في دعم النهوض الثقافي والفكري العربي بدلاً من مراعاة التفكير السائدة بمافيه من مجاملة للأنظمة وقوى الشد العكسي إضافة إلى الظلام.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة