أطلقوا الإبداع

زياد العناني

«أطلقوا الابداع» بهذا الفعل يجب أن يصرخ الشعراء والكتّاب في وجه الجهات الرقابية والوصائية التي تمنع تداول الكتب وتحول الكتّاب الى المحاكم المدنية والشرعية بحجة المساس بأمن الدولة أو المقدس الديني للبت في تأثيرها الأمني، أو التلذذ بتكفير صاحبها والحجر عليه. إحداثيات كثيرة حدثت ولاتزال تحدث كل يوم، منها سجن الكتّاب ومنها مصادرة الكتب في هذا الموضوع المتجدد غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بشكل مؤلم ولاذع: من يجزم بأن سماء المبدع ملحدة؟ ومَن هذا الذي يستطيع التأكيد على انه المؤمن فقط بحكم وظيفته، وان الشاعر كافر بحكم قصيدته؟

كيف تصمت مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الثقافية عن عقر النزعة الإبداعية وضرب المبدع في الحيز الشخصي لكي ينخ ويستسلم لدونية منع مقيتة مضت منذ العصور الوسطى وباتت خلفنا.

ماذا سيفعل الرقيب إذا قال لكاتب ما: أنت كافر بسب هذه الصورة الشعرية! فقال الكاتب بحماس صادق: أنا أشد إيماناً منك وأكثر تعلقاً بجماليات الخالق منك، ابتداء من المرأة وانتهاء بالشمس أو الوردة؟ بأي طريقة يمكن أن يفهم الرقيب أن دوره التاريخي قد صار من الماضي وان أدواته ما عادت مجدية في هذا العصر وان عليه أن يبحث عن وظيفة أخرى تنأى بعيداً بشره عن الكتب التي لم تعرف منه سوى اللفتات المدمغة بالحبر الأحمر والشطب والتنكيل بلحم النصوص لمجرد انه لا يريد أن يفهم ان الابداع لا ينتمي إلى أي تدبير ديني أو مدني ولا يحسب هكذا حسبة إسقاطية أو ضغائنية ترتب القصد بحس أمني يستنطق ويحرف ويستسهل التكفير من غير أن يرى أن الكفر البواح أو الكفر الأكبر هو في المخرج عن الملة، وهذا النوع من الكفر يندرج تحته أنواع وأصناف منها: كفر العناد، وكفر الإنكار، وكفر الكبر، وكفر الجحود، وهذه الأصناف مجتمعة تحتاج الى دليل صحيح الثبوت لا يقف على صورة شعرية تقرن بالأدبيات السياسية أو الدينية المعهودة التي تفضل أن يستثمر المبدع لغة عربية بمساحة محدودة لأن اللغة العربية ليست له، وأنها ستظل حكراً على الجهة التي ينتمي إليها الرقيب الذي يقسم الكلام تقسيماً تعسفيا إدارياً يمكن ان يسمح بمساحة للكتابة عن التطبب بالأعشاب ويمكن له أن يهب مساحة أخرى للكتابة في محاسن السلطات.

قد لا يكون مهماً للرقيب أن ينظر إلى تجربة الشاعر واين تقف مع اقتراحها الجمالي في محاولاتها الجادة للتفريق بين الصوف والحرير، وقد لا يريد أن يرى بأم عينه أن الشعر لا يكون شعراً إلا إذا نفذ الى أعماق الشقاء الإنساني وتجوّل في كل الصورة المصغرة للحروب والقتل والخيانات والميثولوجيا الدينية والرعب والألم المحسوس والملموس، خصوصاً أنه كان ولايزال على رأس الإبداع الذي ينتمي الى المشروع النهضوي العربي. من هنا يمكن القول إن الرقيب يعيق التقدم الاجتماعي والسياسي والحضاري بحجة الحفاظ على السلطة السياسية التي يخدمها أو بحجة الخوف على الشريعة الإسلامية التي صمدت كل هذه القرون بفضل تسامحها وليس بفضل تغولات الرقباء المغرضين الذين قصدهم امين معلوف حين قال «لا أخاف من تأثير الدين في الناس بقدر ما أخاف من تأثير الناس في الدين».

zeyad_alanani@yahoo

طباعة