لغة العطالة

ياسر الأحمد

تمثل قدرة النساء على الكيد جزءاً مهماً من تصورات الرجال، والحذر من إغرائهن مع الرغبة بالوقوع فيه في الوقت ذاته، وجزءاٌ أيضاً من ثنايا تصورات الرجال عن المرأة. لا يعلن الرجال ذلك بطبيعة الحال، أو ربما يسهمون في نفيه، بكل ما أوتوا من فصاحة وتجمل. وفي تبرير سلوكهم، يقول الرجال إن للمرأة فتنة خاصة لا تقاوم، وأن فتنتها تفوق كل فتنة.

وهذا ما يقوله رجال دين أيضاً، ولكن، تحت باب المنع والترهيب هذه المرة. فكلما قرروا تحريم أمرٍ يتعلق بالمرأة أو بلباسها أو بسلوكها مع الرجل داخل المجتمع، كانت الفتنة منطقهم الأكثر رواجاً. فجسد المرأة فتنة، وصوتها فتنة، وشعرات رأسها فتنة. والعطر الذي يفوح منها فتنة أيضاً.

والحل الأسهل للتغلب على أي فتنة، وفتنة المرأة أعظمها، أن نحيل الأمر برمته إلى منطق السكون والجمود. فعلى المرأة أن تجلس في بيتها خوفاً من الفتنة، وعليها أن تبالغ في الالتزام بمقاييس اللباس التقليدية، خوفاً من الفتنة. وعلى المجتمع كله أن يتحول إلى مدفعية جاهزة لقصف الفتنة، أينما ارتفعت أجنحتها. لكن القرآن الكريم يستخدم الفتنة مرادفاً للجنون في الآية الكريمة {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون}. وكأن الجنون والخروج عن المألوف هو مآل الفتنة .

يمكن مقاربة الفتنة والعطالة من زاوية أخرى أكثر جلباً للاتفاق بين الناس، فكثيراً ما نجد تحذيراً وطنياً وعنيفاً من مسؤول ما، يقسم لنا بأن الفتنة على الأبواب، وأن فتح المجال للمشاركة السياسية لعامة الشعب ليس سوى شراء تذكرة للسيدة الفتنة، وإدخالها إلى بيوتنا، ومن يريد أن ينام مع الفتنة على فراش واحد؟ ألم تهن مطامح شعوبنا حتى باتت لا تتجاوز الأمن واللقمة؟ فما بالكم بالديمقراطية التي لن تجلب معها أكثر من تهديد الوحدة الوطنية. هذا عدا عن أن لمفهوم الفتنة حضوراً تاريخياً قسم الأمة في بداياتها، ما يجعله مؤثراً في مجال التخويف والترهيب.

ووسيلة وقاية فعالة ضد الفتنة، تبرز العطالة مجدداً، فالجمود حل مناسب، فلا حاجة بالمجتمع إلى الحراك الاجتماعي إيجابياً فقد نصادف مجتمعاً مدنياً في طريقنا، أو ربما نتعثر بنشاطات نقابية فعّالة. ومن يدري قد يقفز في وجهنا حزب أو صحيفة تثير الفتنة بين المواطنين. يكفي مجرد سؤال صغير عن الفساد وهدر المال العام ليستحق صاحبه سنوات سجن طويلة بتهمة «إثارة الفتنة والنعرات»، وشعارنا «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم». لكن ماذا لو نجحت الفتنة ومثيروها وأصبحت هي السلطة؟ وقتها يصبح السلطان من قتل السلطان كما يفتينا خبراء الفقه التقليدي.

الطريف أن الصمت يسود عادة حين تكون العلاقة بين الأب وأبنائه علاقة تقليدية، ولا يتم تبادل الكلام إلا بمبادرة من الأب ذاته. وذلك خوفاً من فتنة الصوت وتأثيره على الطرف الآخر، كما يقول علماء النفس، تبدو صورة طريفة. صمت يفرضه المسيطر تخوفاً من فتنة مفترضة.

تلك هي دائرة العطالة.

ytah76@hotmail.com

طباعة