مشهد لا ينتهي

أحمد السلامي

يرفل الفضاء الشعري التسعيني في اليمن بالعديد من الأسماء والتجارب التي جعلت من الساحة الشعرية مسرحاً للتنوّع في شكل القصيدة ولغتها، ويخطئ كثيراً من يحاول اختصار هذا المشهد في ثلة من الأسماء أو تجربة أحادية الرؤية في الكتابة مهما كانت درجة حداثتها أو طلائعيتها.

وفي ما يتعلق بالحداثة وتعبيراتها المطاطية فقد التبس الأمر على الكثيرين من جهة فرز توجهات الكتابة وحصر الأسماء بتعسف متعمد استهدف في أغلب الأحيان اقصاء تجارب معينة عن جنة الحداثة وبصورة تنم عن جهل بالحداثة ذاتها.

من الأسماء التي فرضت نفسها بقوة على المشهد الشعري الشاب في اليمن يأتي الشاعر علي أحمد جاحز كصاحب تجربة مثابرة من خلال محاولاته الهادئة في الاعلان عن وجوده الى جانب الأسماء الأخرى.

ومنذ مجموعته الأولى (مشهد خاف أن ينتهي) نقرأ تجربة جديرة بالتأمل لكونها تتفوق على الكثير من البدايات والأعمال الأولى التي غالباً ما تنم عن التعثر والبطء في الحبو نحو الكتابة الشعرية الواثقة من اقتحامها لآفاق القصيدة الجديدة، وإن كنت أزعم أن أغلب بدايات الجيل التسعيني جاءت على هذا النحو بدايات جادة ومدهشة.

يلفت الانتباه في مجموعة جاحز الحرفية الشعرية الجاهزة.. أقصد بالحرفية هنا غياب التلكؤ الذي يميز البدايات بحيث نجد أنفسنا ونحن نقرأ في (مشهد خاف أن ينتهي) أمام قصيدة تفعيلة صافية وسليمة من العثرات التي يقع فيها البعض..

هذا إلى جانب اختفاء مسحة المراهقة الشعرية عند جاحز وظهوره منذ البداية بمظهر رصين من خلال الهم الفني والموضوعي المختلف في قصائده:

مذ متى..

نرشف الكأس

ـ كأس السكوت المثلج ـ

نستقي جمرة

من يد حاولت قتلنا..

ننتشي ساعة

ونغادر أحزاننا..

ثم نصحو على موجة من أنين..؟!

ترتكز أغلب نصوص هذه المجموعة على روح شعرية قلقة ابتداءً من عنوان المجموعة (مشهد خاف أن ينتهي) والمشهد هنا بالتأكيد هو مشهد القصيدة والتجربة بحيث يتحول الى مشهد جواني يتوزعه القلق أكثر من كونه مشهداً خارجياً، ويسري هذا القلق الحميد في عناوين النصوص أيضاً.

عبر مرآة حرف/ أبت مقاطع / من مشهد خاف أن ينتهي.

ها المساء العجوز../يصبغ الآن لحيته بالسواد/يستعيد طفولته/بالتهام النجوم التي أعلنت ضوءها/يستحم بأخطائنا/ثم يأخذنا صوب أعماقه../مشهد خاف أن ينتهي.
طباعة