ليست مجرد تفاصيل

ياسر الأحمد

«إن لبريطانيا العظمى عدوين في الشرق: أحدهما لينين في الشمال، والآخر هو رمضان شلاش في الجنوب»،

ونستون تشرشل: حين نراقب سيرة حياة غالبية رجال الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي في بدايات القرن الماضي، سنلاحظ أن غالبيتهم كانوا رجالا بارزين في العهد العثماني، فمنهم العسكري والسياسي والإداري، وهم بمجملهم تلقوا تعليمهم في مدارس عثمانية. وتسلموا مناصب كبيرة في السلطنة آنذاك، وهذا أمر يؤكد أن الرجال ينسابون في التاريخ، بأسهل مما نظن في بعض الأوقات.

ومن هؤلاء كان «رمضان شلاش»، ولثورته صلة بالواقع الذي مازال يعيشه العراق اليوم، ومنطقة الشرق الأوسط بمجملها. فهذا الرجل ابن إحدى العشائر العربية في أعلى وادي الفرات، وهو تلقى تعليمه في مدرسة العشائر العربية في اسطنبول، وتسلم مهام كبيرة، كان أبرزها تعيينه حاكماً عسكرياً للجبل الأخضر في ولاية بنغازي الليبية نحو عام 1912 . وعندما بدأ الشريف الحسين ثورته، كان ممن انضم إليه، وعين حاكماً عسكرياً لمنطقة الفرات الأعلى، ومقره في مدينة الرقة السورية الواقعة في منتصف المسافة بين حلب ودير الزور. وقصة عدائه لبريطانيا بدأت عندما خرج في فرقة عسكرية تضم الكثير من الضباط العراقيين القادمين مع الملك فيصل بن الحسين، ليطرد قوات بريطانيا من دير الزور، ويضمها إلى سورية بدلاً من العراق الذي كان تحت الانتداب البريطاني في تلك الأثناء.

إذاً، بدأت الثورة في الفرات الأعلى، ثم تابعت سيرها حتى استعرتْ في وسطه، لكن الثورة لم تحز رضا الجميع، فكانت الخلافات الفكرية بين من يفضل البريطانيين، ومن يحن إلى زمان العثمانيين، وهو الصراع الدائم في فكرنا السياسي بين سلطان جائر وحاكم عادل كافر.

لكن أشدّ ما يثير الملاحظة هو التماثل في الجانب الاقتصادي بين الأمس واليوم، فالتغلغل الاقتصادي البريطاني والنفوذ الكبير كان سابقاً للاحتلال، فبريطانيا أقامت فرعاً لشركة الهند الشرقية في البصرة، ثم أقامت شركة للنقل النهري في لندن، فأرسلت بواخر نهرية لنقل البضائع ما بين البصرة وبغداد، والشركات البريطانية كانت منذ أواخر القرن 19 تسيطر على خدمات البرق والبريد في العراق. وفي المعاهدات، تم إلزام الدولة العثمانية بشروط كان من أهمها عدم زيادة الرسوم الجمركية على البضائع الإنجليزية على 5٪ فقط فيما كانت الرسوم التي تفرضها الدولة العثمانية على الصادرات العراقية 12٪. وهو ما يجعلنا نسأل عن الرابط ما بين تفكيك أسطول محمد علي ومنعه من التواجد في الشام والعراق سابقاً وأسلحة الدمار الشامل العراقية اليوم، وبين فرض سقف للرسوم الجمركية عثمانياً في السابق ومنظمة التجارة العالمية وإجراءات العولمة الحالية وفتح الحدود ورفض حماية الصناعات الوطنية في الراهن.

أليس الأمس أقرب إلينا من حبل الوريد؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة