وجوه وأرصفة

أحمد السلامي

يعاني المشهد التشكيلي في اليمن من حالة انقطاع بين الأجيال، وندرة في ظهور أسماء جديدة، إلى جانب ارتهان غالبية الفنانين لذائقة السائح الأوروبي المنبهر بالشرق ورموزه التراثية المباشرة. وإلى عهد قريب، وتحديداً في بداية التسعينات، لم يلحظ المتابع بروز أسماء تشكيلية جديدة، وظلت الساحة حكراً على الأسماء المعروفة التي حالفها الحظ بدراسة فنون الرسم في المعاهد والكليات الأجنبية، وذلك خلال موجة البعثات الدراسة التي ازدهرت منذ السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، وبعض تلك البعثات كانت تتحرك وتنشط على عجلات حزبية وسياسية.

من بين التشكيليين الشباب الذين ظهروا في عقد التسعينات الماضي، يحضر اسم الفنان علاء الدين البردوني الذي يعتمد على موهبته الفطرية، ويحاول صقلها بدراسة الرسم منذ فترة في إيطاليا. لكنه لم يتوجه للدراسة في روما، إلا وقد أصبحت الريشة في يده تعرف هدفها جيداً، وكان قد بدأ في صنعاء مرحلة فنية أولى جعل الرصيف محوراً لها، فأنجز لوحات نقل من خلالها مشاهد تغلب عليها الوجوه المهمشة التي تتخذ من رصيف الشارع وطناً لعذاباتها وأحلامها.

ولدى هذا الفنان ولع بالوجوه التي تتوحد بالشارع، ويدرب حواسه لالتقاط ما يحفز ريشته على تشكيل ملامح اللحظة وتثبيتها داخل اللوحة.

لا يمكننا القول إن البردوني مولع بفن البورتريه المجرد، لأنه لم يكن معنياً في لوحاته برسم ملامح الوجوه لذاتها، على الرغم من أن كراريسه تمتلئ بمثل هذا النوع المدرسي من الفن، لكنه يتنازل عن البورتريه، ليبرز ما وراء الوجه من مشاعر إنسانية تكتظ بالعذابات والأحزان.

كما أنه لم يتورط كغيره في رسم الأيقونات المحلية المستهلكة التي تلقى رواجاً تجارياً لدى السياح المعنيين باقتناء ما يدل على عبورهم هذا البلد أو ذاك. ولا يكتفي علاء البردوني بإبراز تعابير الوجوه عبر التحكم بخطوطها وتعرجاتها فقط، بل يستخدم مهارته في توظيف ومزج الألوان، بحيث يبدو للوهلة الأولى أن استخدامه للألوان يصدم توقع المتلقي البسيط الذي يبحث عن التطابق بين اللوحة والواقع، وعبر تعامله الذكي مع الألوان يحافظ على سياق تشكيلي للوحة، يخرجها من النمطية ويجنبها الوقوع في فخ التجسيد المباشر، ليجعلها بعيدة عن البورتريه الجامد، وقريبة من العمل التشكيلي المتحرك، القابل للقراءة والتأويل من زوايا عديدة.

ويوظف الألوان بايحاءاتها ورمزيتها في استنطاق الوجوه، وتمكينها من الظهور في لوحاته بكامل خيبتها، أو شموخها أو يأسها. وبعيداً عن رمزية الألوان، فإن لعبة الضوء والظل التي يسلطها على ملامح الشخصيات وزوايا الأرصفة هي العملية التي تبرر اختياره للألوان في اللوحة.

ومن التقاط ملامح عمّال البلدية وأطفال الشوارع المشردين، إلى اعتنائه بتسجيل تفاصيل من الحياة اليومية للعازفين المتجولين في شوارع روما، يظل ينقل لنا مشاهد يكسر حدة واقعيتها بتوظيف الألوان، وتثبيت ملامح استثنائية لوجوه قد لا تتكرر.

ومع ذلك، لا يزال انشغاله بالرصيف وكائناته يؤجل اقترابه من التجريب والمغامرة في صوغ أعمال تجريدية تتسق مع الخطاب التشكيلي المعاصر.

 

slamy77@gmail.com

طباعة