أدوار الناقد

ياسر الأحمد

قبل عام تقريباً في نبذة تلفزيونية عن الناقد المصري الراحل رجاء النقاش، قيل عنه إنه كان مكتشفاً لأسماء مهمة في عالم الأدب، مثل محمود درويش والطيب صالح وأحمد عبدالمعطي حجازي.

تُرى، هل يمكن أن توجد علاقة صحية بين الناقد والمبدع؟ هل مهمة الناقد أن يكون صوتاً يروج للنص الذي يعجبه فقط، بحيث لا يكاد يتجاوز الوظيفة الدعائية. أذكر أني تابعت لقاءً مع الناقد السوري الراحل محيي الدين صبحي، قال فيه إنه لا يعلق على نص لا يحبه أبداً، وهذا ما سماه الناقد الفرنسي رولان بارت «النقد المتعاطف»، فهو يقول إنه لا يستطيع الفصل بين محبته لكاتب ما ونقده لنص من نصوصه، وهذا تعليق مثير، فهو يتعارض مع نظرية موت المؤلف واستقلال النص بذاته، ربما كان عمل الناقد قائداً إلى داخل النص بحثاً عن جمالياته وطرق الاشتغال اللغوي للمبدع داخل النص، لكن الناقد يحتاج فعلاً إلى تجاوز كل ذلك، ليذهب بنا وراء النص وخارجه، بحيث يضع النص داخل سياق أكثر شمولاً، باعتباره ليس سوى جزء من خطاب أشمل، يظهر في النص الأدبي، وفي السلوك الاجتماعي أو في طرق اللباس مثلاً.

وهذا ما يسميه ادوارد سعيد بـ«النقد الدنيوي» الذي يشتبك تماماً بالظرف والزمان والمكان والمجتمع، وهو بذلك يقيم نوعاً من الفصل الضروري بين الجهد داخل النص والجهد خارجه. فليس شديد الفائدة أن ننشغل في تعريف طبيعة النص الأدبية، لكن المهم أن ينتج الناقد ـ بوصفه مبدعاً في نهاية المطاف ـ رؤية تتخلص من العزل المصطنع بين الجمالي والاجتماعي. فهذا العزل يحبس النصوص في رفوف المكتبات، من دون أن تخلق حيزاً تفاعلياً بينها وبين القارئ، ولذلك، يمكن الاستشهاد بعبارة بريخت «لئن تحجرت مشاعري تجاه قضايا الناس، فكيف يمكن لمشاعرهم أن تتفتح إزاء كلماتي؟» .

صحيح أن هناك مدرسة في النقد تختار الانطباعات الخاصة والشخصية أساساً لرؤية العمل الأدبي أو اللوحة التشكيلية، لكن هذا لا يكفي لوحده، فالعامل الشخصي يتعرض دوماً لإكراهات البيئة واختلافات الشخصية، وعشوائية الأحكام أحياناً.

لا يقتصر النقد بالطبع على المجالات الأدبية، فالنقد الحضاري الشامل أكثر تأثيراً في حال كان قادراً على استيعاب التجربة، ففي عصر تآزر الفنون الأدبية، وغياب الحسم بين الأجناس الأدبية المتعددة، نحتاج إلى تدخل نقدي قادر على الفرز بشكل أفضل.

لكن الأدباء لا يحبون النقاد كثيراً، ويرون في النقد وسيلة سيطرة يحاولون احتكارها لأنفسهم، ويعلن بعضهم بصراحة امتعاضه من كتاباتهم، حتى إن نزار قباني يكتب مرة بأنه لا يمانع في جلد ظهور النقاد عقاباً لتجرئهم عليه.

بربكم، من أكثر نرجسية من شاعر؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة