قطاف الحروب

خليل قنديل

ظلت الحروب، بما تنتجه من آثار مُدمرة على الشعوب التي خاضتها، تُنتج أدباً مخالفاً لما هو سائد قبل نشوب الحرب، وقبل الإمساك بثمارها القاتلة للروح. بمعنى أن للفعل الزلزالي الذي تحدثه الحرب في الشعوب ثماره المختلفة، وربما التدميرية أيضاً. وظلّ هذا النتاج الأدبي الذي يجيء بعد حادثة الحرب يحمل في مضامينه حالة انقلابية في المفاهيم التي تذهب نحو الجذر التكويني للأدب، كي تعيد تأثيثه من جديد. فالقتلى الذين تخلّفهم الحرب مع الثكالى والأرامل وأصحاب الأطراف المبتورة، إضافة إلى التدمير الكامل للمرافق العامة والبنى التحتية، كل هذا ينهض بعد الحرب، ويأتي للمبدع كالكابوس الملح الذي يطالب بإعادة صياغة الأدب، وبإعادة صياغة تراكيب الحياة.

هذا ما أحدثته الحروب عبر التاريخ البشري بمجمله، حيث ظلت اللحظات الانقلابية في حياة الشعوب، وفي فكرها وأدبها، بانتظار لحظة القطاف الدرامية كي تكشف عن وجهها الانقلابي هذا. وإذا عُدنا للنتاجات الفكرية والأدبية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتركت أثرها الحافر فعلاً في نتاجات الأدب الأوروبي وفكره، سوف نرى الآثارالانقلابية في الفكر والأدب، وحتى التشكيل.

فالنهوض الجامح لبعض الأسئلة الوجودية الكبرى التي أربكت الفلاسفة، وعلى رأسهم فلاسفة الفكر الوجودي، كانت بعد الحرب العالمية الثانية. أما في الأدب الروائي فحدّث ولاحرج، عن أسئلة كتابية وضعت المبدع أمام غربته الحضارية الموحشة، وتبدّى ذلك في روايات سارتر وكامي ودبوفوار ود.ه. لورانس والفريدة يليينك. إن الحرب العالمية الثانية التي زلزلت الثوابت الاجتماعية للمواطن الغربي جعلت المبدع يهرع إلى أعمق «جوانياته»، كي يبحث عن مداواة القلق الذي أرجف رأسه وأطرافه. إنها الحرب إذن هذه التي تجعل من الثوابت مجموعة من التحولات التي تتطلب مشاهدتها بعين جديدة.

لكن المدهش أن الذي فعلته الحروب في أدباء العالم يختلف تماماً عما فعلته الحروب العربية، فالمبدع العربي الذي عاش حروباً دموية وكارثية تتوزع على حرب عام 48 في فلسطين وحرب حزيران عام 67 وحرب عام .73 هذا إضافة إلى حروب تفريعية، مثل حرب العراق مع إيران التي استمرت لما يقارب الثماني سنوات، واحتلال الكويت والحرب الأهلية في لبنان. والمُدهش أن المبدع العربي لم ينتج أدباً يعبر بحق عن الأثر التدميري المزلزل على نفسية المواطن العربي. أقصد أن المبدع العربي لم يُنتج أدباً استثنائياً يعبر بحق عن النقلة الاجتماعية التي أعقبت هذه الحروب.

إن النتاج الأدبي الذي أخذ اسم «الأدب المقاوم» لا يمكن اعتباره أدباً حافراً في شكل الكارثة التي أنتجتها الحرب، بل هو من الآداب التي تحاول أن تعيد الأمور إلى نصابها متخلية عن معالجة المأساة، ومن الآداب التي تحاول أن تنافح عن الحق المسلوب بطريقة الشعر الهتافي الذي يستقر في نهاية الأمر في بوستر للمتظاهرين. إن الحرب حينما تحدث وتضر فعلاً بروح المبدع وتجرحه بشكل مباشر لابد أن توقظ مخيلته، وتسوقها نحو كتابة انقلابية تعبر عن المعطى الجديد الذي أحدثته هذه الحرب أو تلك. لكن نتاجنا الإبداعي العربي الذي خلفته الحروب لم يكن بمستوى انكسار الروح العربية. ولكي نكتشف ذلك، علينا ببساطة أن نقارن ما أحدثته الحرب العالمية الثانية من كتابات بما أحدثته حروبنا في أدبنا الذي لم يتجاوز في هذا المضمار مستوى الهتاف.

 

khaleilq@yahoo.com

تويتر