التجييل وابتكار الأب

أحمد السلامي

هناك خلاف حول جدوى تقسيم الأدباء إلى أجيال تنسب لعقود زمنية، ويرى بعض النقاد أن التجييل مسألة إجرائية قد لا تشي بالضرورة بخصوصيات أو ملامح مائزة لهذا الجيل أو ذاك، لكن الغالبية يتجاهلون التشكيك في جدوى التجييل لأنه سيحرمهم من البحث عن آباء أو مشاجب يعلقون عليها احباطاتهم.

أما موضة التجييل والتحقيب، فقد سادت واكتسبت مشروعيتها كاصطلاح متعارف عليه من خلال إصرار الدراسات النقدية الحرة والأكاديمية على استخدام هذا التوصيف، في حين كان على النقاد الاتجاه نحو دراسة الظواهر الأسلوبية في التجارب الإبداعية بعيداً عن التعامل مع الأسماء الأدبية وتواريخ ميلادها.

والآن يأتي دور جيل ما بعد التسعينات ليطلق أصحابه على أنفسهم صفة الجيل الألفيني، ولو شئنا الدقة لقلنا إن هذا الجيل والذي قبله ليسا سوى امتداد للمرحلة الأدبية والثقافية التي ظهرت في الثمانينات من القرن الماضي، مع اختلافات بسيطة من بلد إلى آخر.

بمعنى أن دراسة التحولات في النص الأدبي يمكن أن تنظر إلى النص الشعري والسردي الجديد باعتباره امتداداً للمغايرة التي حدثت بعد السبعينات.

وبعيداً عن التجييل وحرص الأسماء الأدبية الشابة على الانضواء تحت مسمى عصبوي جامع، نجد أن ثمة نزعة أخرى لديهم تجعلهم يلحون على ابتكار العدو المفترض أو الأب القاسي الذي يطمر جواهر إبداعاتهم، وهذه عادة قديمة تتوارثها الأجيال وتضفي عليها بعداً اجتماعياً يفرغ العداوة من المحتوى الثقافي.

وفي سياق مقاربة هذا الولع الدائم لدى الأدباء في الاحتشاد خلف توصيفات غير دقيقة، يمكن التساؤل عن جدوى التبكير في صناعة الأعداء الوهميين قبل أن تتضح الفروق الابداعية الحاسمة بين جيل سابق وآخر لاحق.

ثم إن أدباء التسعينات لم يفرغوا بعد من مغادرة ساحات العراك مع الأجيال السابقة، وعادة ما تأتي هذه الصراعات الشكلية على حساب التفرغ للإبداع، مقابل الانهماك في التحضير للمهرجانات البديلة وتدبيج المقالات لدحض القديم والتبشير بالجديد.

وعلى مستوى المنجز الشعري الذي يتراكم بالتقسيط في ظل غبار المعارك غير المجدية، يتقاطع الألفينيون مع التسعينيين في التنوع والبحث عن قصيدة نثر تختلف عن بدايات الرواد، ورغم اشتراك مختلف الأجيال في التجريب الشعري، إلا أن الشعراء الشباب الأحدث ظهوراً يتميزون عن سابقيهم باستضافتهم لحشد كبير من الأوفياء للقصيدة البيتية وشعر التفعيلة، ولا يمكن إغفال دور المسابقات الشعرية الملتفزة في التأثير في هذا الجيل وتشكيل وعيه بالشعر.

ويبدو أن المغايرة والتميز لدى الأسماء الشابة ستكون في حقل السرد المفتوح، وبالذات في مجال القصة القصيرة جداً، وفي التدوين الحر الخارج عن التجنيس الذي تعج به المدونات على «الإنترنت». أما الإسهامات المبكرة التي يقدمونها في حقل الرواية فإنها تبشر بانتكاسة، لأن ما ينشر من أعمال يشي بتجاهل أصحابها سقف الابداع الروائي العربي الراهن وبديهياته الفنية، إذ يتكئ الغالبية على تمثل نماذج سردية متواضعة حققت نجاحاً تجارياً، وأدخلت إلى جيب الناشر الكثير من النقود فأغرته بطباعة المزيد من العناوين المتشابهة.

 

salamy77@gmail.com

طباعة