الحديقة الفرنسية

ياسر الأحمد

«المدنيّة تاريخٌ معاكس للشعر» فلوبير.

لأن المدينة تتضمن من التعيين والدقة والمعنى ما يضيق به قلب الشعر، في المدينة يمكننا الوصول بسهولة إلى عنوان ما، فالشوارع والأمكنة مرقّمة ومسماة ومحددة الموقع بدقة. هذا يتعارض مع جوهر الشعر نوعاً ما، فالإحساس أو الشرارة المتوهجة والهمجية ـ إن شئتم ـ هي ما ينطلق به قلب الشاعر. وصلاح ستيتية الشاعر البيروتي الذي يعتبر أحد أهم الشعراء المعاصرين في اللغة الفرنسية، مثالٌ طائرٌ على التحليق مع الفكرة باللغة، بدلاً من سحبها إلى الأرض ودفن التوتر الذي يخلقه ذلك الطيران.

لكن تحليق ستيتية الشبيه باحتراق طائر السمندل الأسطوري، لا يبتعد كثيراً عن الرؤية الإشراقية الصوفية المشرقية. ويقول عنه أدونيس «إن صـلاح ستيتية يكتب العربية بلغة فرنسية، أي بحدس إسلامي غربي»، فهو على الرغم من فرنسيته الإبداعية، جذوره الحضارية تتمازج مع نوعية ثقافته الغربية، وقد تتصادمان أحياناً كما يقر بذلك في إحدى مقابلاته.

وبسبب هذه الثنائية يتعرض لسوء الفهم أحياناً، كما حصل حين نشر كتاباً عن النبي الكريم محمد، احتوى دراسة في السيرة، وعلى الرغم من المحتوى الإيجابي للكتاب، فإن البعض اكتفى بالاعتراض على اختيار الناشر لصورة من منمنمات تاريخية، متناسياً أنها بشكل ما جزء من التراث الإسلامي. وأنها جزء من تمجيد رحلة الإسراء والمعراج الشهيرة. والطريف أنها رسمت بطلب من ولاة الأمر، ومن دون أن تثير حفيظة الفقهاء لأنها جاءت في مقام الاحترام، وخصوصاً أن فن المنمنمات كان يحرص على الرسم من دون تجسيد، كما يتناول ذلك الروائي التركي أورهان باموق في رائعته «اسمي أحمر».

«ليل المعنى» عنوان معبـّر للقاء مطول معه نشر في كتاب مستقل، فالمعنى يصبح عند الشعراء الكبار موجوداً في القصيدة من دون أن نعتقله مباشرةً، يصبح محسوساً كرائحةٍ منعشةٍ تنتشر في الحديقة من دون أن نستطيع تحديد مصدرها تماماً. أو هو حديقة نغادرها بكثير من الأسى الصوفي، منتظرين لحظة العودة إليها بكثير من الشوق الصوفي أيضاً. ولأنه حاطب في «ليل المعنى» فهو يمارس خوفه من الزمان والمكان بطرق شتى، ولسان حاله بيت المعري المعبر عن ضيقه من الزمان الذي لا ينتهي:

ولو طار جبريلٌ بقية عمره من.. الدهر ما استطاع الخروج من الدهر.

لذلك يبدو الشعر بالنسبة له «نعاساً داخل النعاس» ينعدم فيه الإحساس بالزمن لكنه مترافق مع زيادة الخوف منه، مما يدفعه ليسأل في إحدى رسائله الخاصة «أنا على الشاطئ الأخير من بحر الحياة وأتساءل.. هل كان لحياتي معنى؟». لكن مشكلة قد تواجه قراءه باللغة العربية، فترجمة شعره قد تفقده الكثير من حساسيته اللغوية، خصوصاً أن «الشعر لا يجوز عليه النقل» كما يقول الجاحظ، لكن تبقى ترجمته فرصة مميزة لنستمتع بشاعر مهم وشعر شديد الحضور في المستقبل، ألم يتنبأ بحرب لبنان أو ربما بالعراق أو بأي بلد ينابيع في خارطة العروبة، «من يخلّص هذا البلد من خبط جنود يتقدمون تحت النصرلينتزعوا الماء البارد المحرو س، ويأخذوه» صلاح ستيتية .

 

ytah76@hotmail.com

طباعة