الأنفلونزا الاقتصادية

    جورج فهيم

    قلت في الأسبوع الماضي إن اندلاع وباء أنفلونزا الخنازير يمكن أن يكلف العالم أكثر من أربعة تريليونات دولار، وقد أغضب ذلك البعض واعتبروه نوعاً من التهويل والتشاؤم غير المبرر، لأنه لا مجال، على حد قولهم، للمقارنة بين وفيات الفيروس التي لم تتجاوز حتى الآن عدداً محدوداً من الحالات وبين حجم الوفيات الهائلة التي حصدتها الأنفلونزا الإسبانية عام ،1918 والتي تجاوزت 50 مليون قتيل.

    وفي الواقع، فإن الثقة بالنفس أو التفاؤل الذي تعكسه هذه الآراء ليس له ما يبرره على أرض الواقع، فحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن الوباء يمكن أن يصيب ملياري شخص على مستوى العالم بنسبة 30٪، وذلك استناداً إلى الأدلة والشواهد التاريخية المسجلة خلال موجات الأوبئة السابقة التي ضربت العالم.

    والأهم من ذلك، فإن العالم الذي قد يبدو اليوم أكثر استعداداً لمواجهة الأوبئة أكثر من أي وقت مضى، هو في الوقت نفسه أكثر عرضة للإصابة نتيجة لذوبان الحدود ونمو حركة التجارة والارتباط الشديد بين أسواق المال، الذي أفرزته ظاهرة العولمة.

    وعلى أية حال، فإن تقديرات الخسائر التي ذكرتها لم تكن نوعاً من التنجيم أو «وشوشة الودع»، وإنما هي موثّقة في دراسة تفصيلية أعدها البنك الدولي بعنوان «تقييم النتائج الاقتصادية لوباء الأنفلونزا»، وقد عثرت بالمصادفة على دراسة أخرى قيّمة أعدها العالمان مكابين واليكسندرا سادرينكو من معهد «ليوي» الاسترالي للدراسات الاستراتيجية حول قياس الأثر الاقتصادي للأوبئة؛ وبحسب الدراسة، فإن وباء معتدلاً يقتل مليوناً ونصف المليون شخص فقط سيكلف العالم 330 مليار دولار خلال عام واحد، بنسبة 1٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، أما إذا كان الوباء حاداً فإنه سيقتل 142 مليوناً وسيكلف العالم 4.4 تريليونات دولار بنسبة 12.6٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وهو رقم قريب من تقديرات البنك الدولي.

    وما يلفت النظر حقاً في هذه الدراسة أن 12٪ فقط من الخسائر تعود إلى الوفيات، بينما ترجع 60٪ منها إلى جهود تجنب الإصابة بالفيروس، في ما تعود نسبة الـ28٪ المتبقية إلى الفوضى التي ستحدث في سوق العمل نتيجة تغييب العاملين، إما بسبب المرض أو الوفاة أو الحاجة إلى العناية بأفراد الأسرة المصابين، وهو ما سيترك بصمات هائلة على مستويات الإنتاجية وساعات العمل المفقودة.

    ومن المؤسف حقاً أن التأثيرات الاقتصادية الأشد للوباء ستكون من نصيب الدول النامية صاحبة النظم الصحية الضعيفة والمترهلة، حيث ستشهد التكلفة الاستثمارية، وتكلفة أداء الأعمال، والتكاليف التشغيلية التي ستصاحب هذه الفوضى الاقتصادية، طفرة هائلة، وهذه النقطة ستترجم نفسها في صورة تراجع ثقة المستثمرين ودرجة تقديرهم للمخاطر المرتبطة بكل دولة وفقاً لدرجة جاهزية واستجابة كل حكومة لاندلاع الوباء، وهو ما يفتح الأبواب على مصراعيها لحالات هروب جماعي لرؤوس الأموال من الدول الأشد تضرراً إلى الدول التي ينظر إليها باعتبارها ملاذاً آمناً.

    وبالطبع نحن نتفهم حرص الحكومات على عدم إثارة الفزع، خصوصاً في هذا الظرف الحرج الذي يمر به الاقتصاد العالمي، لكننا نؤمن أيضاً بأن مخاطر التهوين قد تكون أشد فتكاً من مخاطر التهويل، وأن تهيئة الشعوب لتقبل ما هو أسوأ أرجح في ميزان الحسنات من طمأنتهم من دون مبرر أو سند مقبول، وقد تثبت الأحداث يوماً أن البحث عن مصل لحماية الاقتصاد من الأنفلونزا لا يقل أهمية عن البحث عن مصل لحماية الأفراد.

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة