إدمان اليأس

أحمد السلامي

يصعب على بعض الكتاب العرب مغادرة حالة التشاؤم والكف عن الظهور في حفلات الرثاء والتشفي سلفاً بمصائب قادمة من ابتكار خيالاتهم.

بعض هؤلاء الذين أدمنوا اليأس لا يتورعون عن استخدام لغة فضفاضة تشبه لغة المنجمين، حين يطلون عبر شاشات التلفزيون ليحذروا الأمة من الأخطار القادمة، من دون أن يقترحوا حلولاً منطقية للأزمات التي يخترعونها.

وما أكثر البرامج الحوارية التي تصيب المشاهد بالملل والكآبة، وفي الوقت ذاته تعمل على إشاعة اليأس والإحباط. ومن يتابع القنوات التي توصف بأنها الأكثر شعبية يجد أن بعضها يرتكز في جماهيريته على استقطاب شريحة واسعة من الجمهور المعني بجلد الذات والتنبؤ بمستقبل مظلم للمنطقة.

ولا مانع لدى هذه القنوات من العودة إلى الماضي، ومحاورة شخصيات تشبه الديناصورات المنقرضة وتدعي أن لديها خبرة في استشراف المستقبل، لكنك تكتشف مع مرور الوقت أن العديد من هؤلاء المحنطين لم يتحرروا بعد من تبعات الهزائم التي أسهموا في حدوثها منذ الستينات، وفشلوا في تخطي الشعور بالذنب، ويريدون أن يصدروا ثقافة الهزيمة والخوف من الآتي إلى أذهان الآخرين.

ومن الغريب أن تستمر بعض محطات التلفزة في بث سلسلة حلقات مع ضيف واحد يمزج بين سرد ذكرياته الشخصية وتحليله لمشكلات العالم العربي باعتباره شاهداً على العصر.

وأكاد أجزم بأنني لست الوحيد الذي يضغط على زر الريموت كنترول الخاص بالتلفاز، كلما اطلّ أحد هؤلاء الذين لم تعد لهم من وظيفة في الحياة سوى ممارسة خطاب الترهيب والبكاء على خراب مالطا، وتوقع انهيار ما تبقى من الأشياء الجميلة التي لم تكن لهم يد في صناعتها.

إن الخطاب الإعلامي الذي يتواءم مع طموحات الأجيال الجديدة ما لم يكن مشرعاً على الأمل ومحبة الحياة فإنه لن يجد له صدى إلا لدى الراغبين في الانتحار ببطء، لأن النظرة السوداوية إلى الحياة بشتى جوانبها لم تعد مثار تسلية، ولم تعد لها قابلية لدى الجيل الذي يفضل أن يتجاوز الماضي ويفكر في الغد برؤية جديدة.

دعونا ـ على سبيل المثال ـ نقيس المسافة الزمنية التي تفصلنا عن هزيمة ،1967 وسنكتشف أن 42 عاماً مضت على ما وصفت بالنكسة، ويراد لهذه المحطة التاريخية أن تظل أغنية حزينة تلقي بظلالها على الحاضر والمستقبل، وتبدو الجوقة المسكونة بهذه الأسطوانة سعيدة بعثورها على مشجب ملائم لتعليق خيباتها الأبدية عليه إلى ما لانهاية.

تعرضت مختلف الشعوب والأمم الأخرى لهزائم ونكبات وحروب طاحنة، لكن الشعوب الحية لا تكبل حاضرها ومستقبلها بإحباطات الأمس.

لذلك؛ فإن الاستمرار في تصدير ثقافة الهزيمة والارتياب من الآخر هو السبب الذي يشغل العقل العربي اليوم عن الالتفات إلى الواقع الراهن وإعادة بناء الثقة بالذات. وفي ظل استمرار الإدمان على اليأس، ستبقى كل الخيارات مفتوحة أمام استنساخ الجسد العربي لألوان جديدة من الهزائم، لكنها تكون في مثل هذه الظروف التعيسة هزائم داخلية، تطال الوعي الجمعي وتبقيه سجيناً في ذاكرة الماضي.


slamy77@gmail.com

طباعة