تحوّلات العمام

ياسر الأحمد

كان الشيخ إبراهيم البلتاجي إمام جامع ومنشداً دينياً في الأعراس، اكتشف جمال صوت ابنته أم كلثوم فتبنّى صوتها. وبين التبنّي والبنوة الحقيقية خلطة توصلنا إلى الإبداع، فالبنوة نتاج الطبيعة، ونتاج علاقات توصف عادة بالعلاقات المحافظة، بينما نجد التبني معبراً عن رغبة في تجاوز الشكل التقليدي لعلاقات الآباء والأبناء. في البنوة نرث العلاقة، وفي التبني نخترع علاقة بحسب مقاييسنا الخاصة.

تُرى، هل اخترع الشيخ إبراهيم البلتاجي أبوّته لأم كلثوم من جديد، حين دعم ـ وهو المتديّن ـ رغبتها بالغناء؟ وبشكل آخر، هل تبناها وتبنى موهبتها، متجاوزاً كل حساسيات المجتمع، ومتحدياً سطوة الأبوة والبنوة التقليدية.

أيضاً الشيخ رفاعة الطهطاوي أحد مشايخه كان يدّرس اللغة العربية لضباط الحملة الفرنسية، وعبر احتكاكه الدائم نقل لتلميذه قيماً تتعلق بتبني أفكارٍ من خارج السياق آنذاك.

سافر الطهطاوي إلى فرنسا إماماً للبعثة الفرنسية، وحارساً لأخلاق التلاميذ، وخلال كتابته مذكراته، سجل مراحل تحولاته الفكرية من حارس للثبات إلى داعية للتغيير.

ووصل به التغير حداً جعله يقول «ولا شك أن الفرنساوية أقرب إلى العرب من الترك، فهم يحرصون على الشرف والحرية، ويحبون الافتخار، ويفون بعهودهم» وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مدرسة العمامة ترى في الخلافة بيتاً جامعاً يجب مراعاته، وأن الأتراك عماد ذلك البيت في عصر الطهطاوي، فسنعرف كم تحولت عمامة الطهطاوي، ومالت بها الرياح الفرنسية. والطهطاوي هو من أقنع محمد علي بتدريس اللغات الأجنبية، وتأسيس صحيفة على النمط الفرنسي.

ومن الغريب، أنه حين تزوج أعطى زوجته تعهداً مكتوباً بخطه ومودعاً في الأرشيف المصري، يلتزم فيه «كاتب هذه الأحرف رفاعة لزوجته أنه يبقى معها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى ولا جارية»، ويستمر في التعهد بشكل مدهش.

لكن حلمه وئد مبكراً، فبمجرد موت محمد علي ومجيء خلفه حتى صفى إنجازاته، وطرده إلى مدرسة نائية في السودان.

طه حسين تحوّل آخر، ولعله التحول الأكثر جذرية، فهو أزهريٌ قدم من الريف، ثم مرة أخرى وعبر الاحتكاك مع الغرب، نجح في تحويل الذائقة الأدبية والنقدية في اتجاه آخر مختلف تماماً. لكن التغير الأكثر حضوراً كان تبنّيه لمنهج ديكارت القائم على الشك كخطوة ثابتة عند تناول أي موضوع.

وعلي عبدالرازق، وهو وزيرٌ للأوقاف وشقيق شيخ الأزهر، قاد تحولاً مهماً في التفكير السياسي، فعبر كتابه «الإسلام وأصول الحكم» قاد نموذجاً من المحافظين يرى في الديمقراطية شمساً ممكنة في نهار عربي.

من الشام، كان عبد الرحمن الكواكبي عالم دين، ومحامياً يدافع عن معارضي السلطة العثمانية، ويرى في الاستبداد معول هدم في بناء المجتمع. وحين اشتد في الترويج للحرية، قام جاسوس عثماني بوضع السمّ في أطراف صفحات كتبه ليموت وهو يقلّب الصفحات، فيقول أحد أعدائه «بالقراءة أتعبنا وبالقراءة قتلناه».

تبدو هذه التحولات روحاً قادمة ننتظرها، لكنها قد تتحول كما يقول أوفيد إلى «مسخ الكائنات».

 

ytah76@hotmail.com

طباعة